
تُعد الأزمة المالية وتأخر أو ضياع المستحقات المالية لموظفي إقليم كردستان من أكثر الملفات الاقتصادية والسياسية تعقيداً، نظراً لانعكاساتها المباشرة على حياة مئات الآلاف من الأسر. وفي ظل استمرار الجدل حول عائدات المبيعات المحلية للنفط والإيرادات غير النفطية، بات خطر ضياع راتب شهر أو أكثر خلال هذا العام، وسط الصراع القائم بين أربيل وبغداد، الهاجس الأكبر الذي يؤرق الشارع الكردستاني.
عقب توقف التصدير الرسمي لنفط الإقليم عبر خط أنابيب جيهان التركي في آذار/مارس 2023، طرأت تحولات جذرية على المعادلة النفطية في الإقليم:
- واصلت بعض الحقول النفطية الإنتاج بمعدلات منخفضة، حيث تم بيع النفط محلياً للمصافي أو عبر التجارة الداخلية والصهاريج بأسعار تقل كثيراً عن الأسعار العالمية.
- يُخصص جزء رئيسي من عائدات المبيعات المحلية للنفط، بحسب البيانات الرسمية، لتغطية المستحقات المالية والنفقات التشغيلية لشركات النفط العالمية لضمان عدم توقف أعمالها، فضلاً عن تأمين نفقات الوقود لمحطات إنتاج الطاقة الكهربائية.
- تشترط الحكومة الاتحادية تسليم كامل النفط المنتَج إلى شركة تسويق النفط العراقية (سومو)، أو إخضاع عائدات المبيعات المحلية بالكامل لإشراف ديوان الرقابة المالية الاتحادي؛ وهو ما يشكل جوهر الخلافات المستمرة بين الطرفين.
لماذا يواجه أحد الرواتب خطر الضياع؟
يعود خطر ضياع راتب شهري (أو تحوله إلى ديون بذمة الحكومة على غرار سنوات الادخار الإجباري والاستقطاعات) إلى عدة عوامل:
- الفجوة المحاسبية وتأخر التمويل: بسبب تأخر إرسال الأموال من قِبل بغداد في مطلع السنوات المالية أو أثناء عمليات تدقيق القوائم، غالباً ما يتأخر صرف الرواتب شهراً أو شهرين عن موعده الفعلي. وعندما ترسل بغداد تمويل شهر معين باسم الشهر ذاته (كأن ترسل تمويل شهر تشرين الأول/أكتوبر في حين لم يتسلم الموظفون راتب أيلول/سبتمبر بعد)، تنشأ فجوة محاسبية تضطر السلطات المالية إلى اعتبار أحد الأشهر “ضائعاً” أو تسجيله كـ “دين”.
- الخلافات حول الإيرادات غير النفطية: بموجب قانون الموازنة والاتفاقيات المبرمة، يتعين على الإقليم إعادة حصة من عائدات المنافذ الحدودية والضرائب إلى خزينة الدولة. وكلما نشب خلاف حول حجم هذه المبالغ، تعمد بغداد إلى تقليص حصة موازنة الرواتب أو إيقافها، مما يؤدي إلى تعطيل توزيع راتب شهر كامل.
- الركود الاقتصادي: يؤدي ضياع أو تأخر راتب شهر واحد إلى شلل وركود ملحوظ في حركة البيع والشراء داخل أسواق الإقليم، نظراً لاعتماد اقتصاد السوق المحلي بشكل أساسي على السيولة الناتجة عن رواتب القطاع العام.
- تفاقم الأعباء المعيشية: يواجه الموظفون، نتيجة غياب اليقين بشأن مواعيد صرف رواتبهم، تراكم ديون إيجارات السكن، والمتطلبات المعيشية اليومية، وديون الأسواق.
لماذا يقتصر موقف الإقليم على إصدار البيانات؟
- فقدان أوراق الضغط: بعد توقف التصدير الرسمي للنفط عبر الأنابيب في آذار/مارس 2023، فقدَ الإقليم أقوى أوراقه المتمثلة في الاستقلالية المالية والضغط الاقتصادي. وفي الوقت الراهن، باتت حكومة الإقليم مرتبطة مالياً بشكل كامل بخزينة بغداد، مما يعني أن أي خطوة تصعيدية أو مقاطعة قد تؤدي إلى قطع التمويل الحالي بشكل نهائي.
- عجز الإيرادات المحلية: لا تكفي الإيرادات غير النفطية والكميات المحدودة من النفط المباع محلياً لتغطية حتى نصف راتب شهر واحد (الذي يتراوح بين 950 إلى 990 مليار دينار)، الأمر الذي يجعل الإقليم في موقف ضعيف لا يسمح له بمواجهة بغداد.
- تصدير الأزمة والانقسام الداخلي: يُعد إصدار البيانات والتصريحات أداة سياسية شائعة لتحويل الضغط الشعبي عن الحكومة المحلية وتوجيهه نحو بغداد؛ أي أن الرسالة الضمنية هي: “لا توجد لدينا مشكلة، بل إن بغداد هي من تمارس الغبن”. علاوة على ذلك، فإن غياب الموقف الموحد واستمرار الصراعات بين الأطراف الرئيسية الحاكمة في الإقليم حول ملفات الإيرادات والمنافذ الحدودية والعلاقة مع المركز، أضعف أي جبهة موحدة يمكنها ممارسة ضغط فعلي على بغداد.
لماذا تتعامل بغداد مع ضياع راتب في الإقليم كأمر اعتيادي؟
- منطق الحسابات لا الحالات الإنسانية: تتعامل وزارة المالية الاتحادية مع ملف الرواتب ضمن إطار أشهر السنة المالية؛ فإذا لم تستوفِ أربيل في شهر معين شروط تسليم الإيرادات غير النفطية أو لم تنجز قوائم الرواتب المدققة، فإن بغداد تتجاوز تمويل ذلك الشهر وتنتقل إلى الشهر الذي يليه. وبالنسبة لبغداد، يُعد هذا إجراءً قانونياً ومحاسبياً بحتاً، وليس التزاماً إنسانياً يستوجب التعويض لاحقاً.
- تقليص النفقات العامة: من منظور خزينة الدولة العراقية، التي تعاني بدورها من عجز مالي، فإن عدم صرف راتب شهر واحد للإقليم يعادل توفير وضغط نفقات يقارب تريليون دينار في الموازنة العامة.
- غياب التأثير الانتخابي: لا يشكل موظفو ومتقاضو الرواتب في الإقليم جزءاً من القاعدة الانتخابية للقادة والأحزاب المهيمنة في بغداد، ولذلك فإن الاحتجاجات أو الإضراب عن الدوام في مدن الإقليم لا يولّد أي ضغط سياسي أو انتخابي على صُنّاع القرار في العاصمة؛ بل على العكس من ذلك، غالباً ما يُفسَّر التشدد تجاه الإقليم في مناطق الوسط والجنوب على أنه حزم في تطبيق القانون.
- تطبيع الأزمة: نظراً لأن رواتب الإقليم تمر منذ أكثر من عقد من الزمن (منذ مطلع عام 2014) بحالات مستمرة من الادخار الإجباري والاستقطاع والتأخير، فقدَ هذا الملف صفته كأزمة طارئة أو استثنائية لدى صُنّاع القرار في بغداد، وتحول بمرور الوقت إلى مسألة روتينية اعتيادية.





