كيف استغل طالباني لغة الأرقام لتهديد عرش البارزانيين؟

يستمر الانسداد السياسي في إقليم كردستان منذ تشرين الأول أكتوبر عام 2024، ويبدو أنه ذاهب إلى انسداد أشد مع تمسك الاتحاد الوطني الكردستاني بطلب تقاسم السلطة والمناصب بالتساوي (50%)، في مقابل رفض الحزب الديمقراطي الكردستاني التنازل عن استحقاقه الانتخابي ومناصبه السيادية. وفي خضم هذا “التصلب” من الطرفين، يرى مراقبون أن الأزمة قد تتعقد لدرجة تفرز خيار حل البرلمان وإعادة الانتخابات.

وضع جديد

ويقول عضو الاتحاد الوطني الكردستاني برهان شيخ رؤوف، لـ”کورد مونیتور” اليوم الاثنين (8 حزيران يونيو 2026) إن على الديمقراطي أن يدرك بأن هناك وضعاً جديداً في الإقليم، بعد التحالف بين حزبه وحراك الجيل، وباتت المقاعد متساوية.

ويوضح، أنه “بعد التحالف الجديد بين الديمقراطي والاتحاد الوطني فإن الوضع قد تغير، ولن نشارك بحكومة جديدة في كردستان إلا بمناصب متساوية، وتوزيع المناصب الرئيسية يجب أن يكون بطريقة عادلة”.

وينبه شيخ رؤوف إلى أن “الاتحاد الوطني يطالب بإحدى الرئاسات، ومنها رئاسة الإقليم أو رئاسة الحكومة، كوننا نمتلك مقاعد متساوية مع الديمقراطي، ولم يعد الديمقراطي يمتلك الأغلبية كما كان في الدورة السابقة، ولهذا يجب توزيع جميع المناصب الأمنية والاقتصادية المهمة بطريقة النصف لكل حزب”.

وطرح رئيس الاتحاد الوطني بافل طالباني شرطاً وحيداً لإنهاء حالة الإنسداد السياسي، بتوزيع المناصب في الإقليم بنسبة 50 بالمئة لكل حزب من الحزبين الحاكمين، الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني، مؤكداً في كلمة له بمناسبة ذكرى تأسيس حزبه في (1 حزيران يونيو 2026): “أعدكم بأننا سننجح ونتقدم، الحكومة ستتأسس، وبما أننا استمعنا لما قالته الأطراف الأخرى، فنحن مستعدون للحديث لغة الأرقام: نحن 39 مقابل 39، ونطالب بنصف الحكومة”.

ووقع طالباني، في أواخر نيسان الماضي، اتفاقاً مع رئيس حراك الجيل الجديد، يقضي بتشكيل تحالف سياسي، وفي مطلع الشهر الجاري عاد ليعلن قرب “توقيع اتفاق استراتيجي مع رفاقنا في الجيل الجديد خلال هذه الأيام، وسنمد يدنا للأطراف الأخرى من أجل تغيير حياة المواطن الكردي في كردستان فعلياً”.

صراع الأقطاب

ويتوقع أن يعيد الشرط الأخير لبافل طالباني الأمور إلى المربع الأول، خاصة في ظل وجود قطبين داخل الحزب الديمقراطي، يسعى الحزب لكسب رضاهم، وهم نيجيرفان بارزاني رئيس الإقليم، ومسرور بارزاني رئيس وزراء كردستان.

وتعود جذور الخلافات إلى تباين الرؤى حول تقاسم السلطة، وصلاحيات المناصب الرئيسية مثل رئاسة الإقليم والحكومة والبرلمان.

ورغم عقد عدة اجتماعات بين اللجان التفاوضية للحزبين، إلا أن التقدم لا يزال محدودا، مما يزيد من حالة الجمود السياسي في الإقليم، وسط ترقب داخلي وضغوط خارجية لحلحلة الأزمة.

وطبقا للنظام الداخلي لبرلمان الإقليم، يتعين على رئيس الإقليم، دعوة البرلمان المنتخب إلى عقد جلسته الأولى، خلال 10 أيام من المصادقة على نتائج الانتخابات، وإذا لم يدع الرئيس إلى عقد الجلسة الأولى، يحق للبرلمانيين عقدها في اليوم الحادي عشر للمصادقة على النتائج، فيما يترأس العضو الأكبر سنا جلسات البرلمان، قبل انتخاب الرئيس الدائم، بعد تأدية القسم الدستوري.

وشهد البرلمان بدورته السادسة انعقاد جلسته الأولى في مطلع كانون الأول ديسمبر 2024، والتي تضمنت تأدية اليمين القانونية لأعضائه، وإبقاء الجلسة مفتوحة بسبب عدم حسم المناصب الرئيسة في الإقليم.

تحالف مؤقت

من جانبه، يقلل القيادي في الحزب الديمقراطي ريبين سلام، من أهمية التحالف بين الاتحاد الوطني والجيل الجديد، بوصفه تحالفاً مؤقتاً ومناطقياً غايته ضرب الحزب الديمقراطي فقط.

ويرى سلام، في حديث له مع ”کورد مونیتور” اليوم الاثنين، أن “طرح الشروط ورفض تقديم التنازلات، والاستقواء بقوى من خارج الإقليم، هو من يعطل تشكيل الحكومة، كما أن عدم احترام نتائج الانتخابات يعد سبباً رئيساً في الانسداد السياسي”.

ويضيف، أن “الديمقراطي لا يتمسك بالمناصب، ولكن لا يقبل بالتجاوز على الاستحقاق الانتخابي الذي حصل عليه، وقدمنا أكثر من مقترح، لكن الاتحاد يصر على التعطيل، فهم في بغداد قد حصلوا على منصب رئيس الجمهورية، رغم أن الديمقراطي هو صاحب المقاعد الأعلى في المكون الكردي، وهم في ذات الأثناء يريدون منصب رئاسة الإقليم، رغم أن الديمقراطي صاحب المقاعد الأعلى في برلمان كردستان أيضاً”.

ويشترط حزب بارزاني في تشكيل الحكومة الجديدة، أن تكون وفق معيار “الاستحقاق الانتخابي” مع أهمية أن تكون “مؤسسات الإقليم موحدة”، في إشارة إلى الفجوة القائمة بين إدارته في أربيل مع نظيرتها في السليمانية بقيادة حزب طالباني، في حين يرفع الأخير شعار “تصحيح مسار الحكم” لإنهاء احتكار القرار من قبل الديمقراطي، وفق اعتقاده.

المناصب الرئيسية

ويسيطر الديمقراطي على مناصب رئاستي الحكومة والإقليم، فضلاً عن الوزارات المهمة، مثل الداخلية والمالية، والثروات الطبيعية، ووزارة التربية، ورئاسة مجلس أمن الإقليم، ووزارة العدل، ومنصب نائب رئيس البرلمان، وقيادة القوات العسكرية، ومناصب أخرى مهمة”.

في حين يطالب الاتحاد الوطني وفقاً لتقارير سابقة نشرتها “کورد مونیتور” بحصة عادلة من الوزارات، من بينها وزارة الداخلية والمالية، فضلاً عن منصب وكيل رئيس مجلس أمن الإقليم، ووكيل وزير الثروات، ومسؤول العلاقات الخارجية.

وفي ظل استمرار حالة الجمود السياسي، يبقى نجاح الحوار بين الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني العامل الأهم في تحديد شكل الحكومة المقبلة وقدرتها على تحقيق الاستقرار السياسي والإداري والاقتصادي في إقليم كردستان.

تعقيد الأزمة

إلى ذلك، يعتقد الباحث في الشأن السياسي آرام مجيد، بأن الشرط الذي وضعه بافل طالباني سيعقد الأزمة، وربما تتجه الأمور إلى حل برلمان كردستان، وإجراء انتخابات جديدة.

ويذكر لـ”کورد مونیتور” اليوم الاثنين، أن “الاتحاد الوطني يدرك بأن الوضع الحالي مناسباً للحصول على أكبر عدد من المناصب المهمة، وعلى رأسها رئاسة الإقليم، الأمر الذي سيمكنه من تحقيق التوازن الانتخابي في الانتخابات المقبلة سواء في البرلمان العراقي أو برلمان كردستان، كون تسلم هذه المناصب تزيد من نفوذه وشعبيته”.

وينوه إلى أن “الديمقراطي يدرك أن التفريط بمنصب رئاسة الإقليم، يعني دخول حزبه في مشاكل داخلية، بسبب الصراع بين مسرور ونيجيرفان بارزاني، ولا يستطيع التضحية بأحدهما”.

ويردف، أن “الحزب الديمقراطي يرى بأن خسارة منصب رئاسة الإقليم، سيعني فقدان السيطرة على الكثر من الملفات، منها القيادة العليا للأجهزة الأمنية والعسكرية، فضلاً عن الثقل الدولي الذي يمثله هذا المنصب، بالإضافة إلى مبيزة تعيين رؤساء الوحدات الإدارية، وغيرها من الملفات، لذلك لن يضحى بخسارة المنصب، حتى لو اضطر لحل البرلمان”.

زر الذهاب إلى الأعلى