الحكم في ظل الفراغ القانوني بكردستان؛ تعطل المؤسسات، غياب التشريع والرقابة، وترسيخ نظام الادارتين

تحذر دراسة لمنظمة “ستوب” وهي احدى أبرز المنظمات المدنية في كردستان، من مخاطر تحول حكومة تصريف الأعمال في الاقليم الفيدرالي والمستمرة منذ ثلاث سنوات، إلى “أمر واقع” ممتد، وتبرز الدراسة التي جاءت في 30 صفحة، ما تصفه بالتداعيات الكبيرة على المجالات الادارية والقانونية والاقتصادية في كردستان، والتي تصل الى تهديد وجوده ككيان دستوري.

حذرت دراسة عن الواقع السياسي- الاداري في اقليم كردستان، من تكريس “حكومة تصريف الأعمال” كأمر واقع، بما تحمله من تداعيات سلبية على المجالات السياسية والادارية والتشريعية والاقتصادية، وصولا الى فرض واقع الادارتين المنفصلتين وتهديد كيان الاقليم الدستوري.

وذكرت الدراسة التي اعدتها منظمة “ستوب” ان ثلاث سنوات مرت على انتهاء الولاية القانونية للحكومة الحالية، جرت خلالها انتخابات برلمانية، دون ان تتمكن القوى السياسية من تشكيل حكومة جديدة كاملة الصلاحيات.

ونبهت الى ان تمديد سلطة الأمر الواقع، التي تفتقد الشرعية القانونية، يشكل تهديدا مباشر للنظام المؤسساتي، فالبرلمان بات مغلقا وبغيابه أصبحت الحكومة غير خاضعة للمساءلة، وتعطل تشريع القوانين وتعديلها (أكثر من 30 قانونا تنتظر التعديل) وافتقدت القدرة على اتخاذ القرارات الاستراتيجية، وفقدت مؤسسات الاقليم مكانتها القانونية، وتحولت الأجهزة الرقابية إلى تابع للقرار السياسي.

ولفتت الى انتهاء الولايات القانونية للمسؤولين في مؤسسات مهمة مثل هيئة النزاهة، وديوان الرقابة المالية، والهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، الى جانب هيئة حماية البيئة.

فريق اعداد الدراسة، أشار الى ان المكانة الدولية للاقليم تتراجع، وبات الحلفاء الدوليون ينظرون بريبة إلى سلطة تفتقر للشرعية الانتخابية، بالتزامن مع أزمة اقتصادية خانقة ناتجة عن غياب قانون الموازنة، ما تسبب في ركود الأسواق وتجميد المشاريع التنموية.

وخلصت الدراسة الى ان الواقع السائد في كردستان، يهدد بعودة الإقليم إلى عهد “الإدارتين” التي سادت في منتصف تسعينات القرن الماضي، وتعميق الانقسام الجغرافي والإداري، فضلاً عن إجهاض العملية الديمقراطية، وصولاً إلى تهديد بقاء الإقليم ككيان دستوري معترف به اتحادياً.

أدناه ملخص الدراسة التي أنجزتها منظمة ستوب

يقف إقليم كردستان اليوم أمام منعطف بنيوي خطير يُهدد ركائز كيانه السياسي والدستوري، فرغم إسدال الستار على انتخابات الدورة السادسة لبرلمان الإقليم في 20 تشرين الأول/ أكتوبر 2024، وانعقاد الجلسة الافتتاحية في 2 كانون الثاني/ ديسمبر من العام ذاته، إلا أن الخلافات العميقة بين الحزبين الحاكمين (الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني) عطلا تشكيل الكابينة الوزارية العاشرة.

هذا الجمود أفرز واقعاً مأزوماً تمثل في تكريس حكومة تصريف الأعمال كسلطة “أمر واقع” (دي فاكتو)، ممتدة لأكثر من ثلاث سنوات منذ انتهاء ولايتها القانونية أواخر عام 2022. ولم يعد هذا التمديد مجرد معضلة إدارية مؤقتة، بل تحول إلى تهديد مباشر لشرعية النظام المؤسساتي، ملقياً بتأثيرات عميقة على مسارات الحوكمة عبر ثلاثة اتجاهات رئيسية:

تراجع الشرعية والشلل المؤسساتي: أدى غياب البرلمان المعطل إلى عزل الحكومة عن أي مساءلة، ومصادرة قدرتها على اتخاذ القرارات الاستراتيجية وتشريع القوانين، ممّا أفقدها مكانتها القانونية داخلياً وخارجياً، وحوّل الأجهزة الرقابية إلى تابع للقرار السياسي التوافقي.

المخاطر السياسية والوطنية: يمهد استمرار هذا الوضع الأرضية لعودة الإقليم إلى عهد “الإدارتين” وتعميق الانقسام الجغرافي والإداري، فضلاً عن إجهاض العملية الديمقراطية وتعميق يأس المواطنين من صناديق الاقتراع، وصولاً إلى تهديد بقاء الإقليم ككيان دستوري معترف به اتحادياً.

المكانة الدولية والمؤشرات الاقتصادية: بات الحلفاء الدوليون ينظرون بريبة إلى سلطة تفتقر للشرعية الانتخابية، بالتزامن مع أزمة اقتصادية خانقة ناتجة عن غياب قانون الموازنة، ما تسبب في ركود الأسواق وتجميد المشاريع التنموية.

تشريح الشلل الرقابي: مؤسسات بلا رؤساء وقوانين معطلة

تُعد الأجهزة الرقابية المعنية بتقييم الأداء العام وتثبيت قيم الشفافية الضحية الأكبر لهذا الانسداد. ورغم تباين مهام هذه المؤسسات، إلا أنها تشترك في معضلتين بنيويتين: انتهاء المدة القانونية لولاية رؤسائها، والحاجة الملحة لتعديل قوانينها الخاصة عبر البرلمان المعطل.

1 – هيئة النزاهة

تأسست الهيئة بموجب القانون رقم (3) لسنة 2011 ككيان خاضع لرقابة البرلمان وبموازنة مستقلة مفترضة. واليوم تواجه شللاً تاماً يتضح في:

فراغ القيادة: انتهت الولاية القانونية لرئيس الهيئة منذ نيسان 2018، ورغم مطالبته الرسمية لثلاث مرات متتالية بحسم الملف، لم يتلقَ رداً.

احتجاز التقارير وتجميد التشريعات: بقيت التقارير الدورية حبيسة الأدراج لغياب اللجان البرلمانية، كما جُمدت مقترحات تعديل قانون الهيئة لفض اشتباك الصلاحيات.

العجز المالي والخططي: حُرِمت الهيئة من التخصيصات المستقلة لعدم إقرار الموازنة العامة، وتسبب الوضع في تعذر إقرار “الاستراتيجية الوطنية الجديدة لمكافحة الفساد”، والاعتماد على استراتيجية سابقة تعاني تباطؤاً حاداً في التنفيذ.

2 – ديوان الرقابة المالية

يمارس الديوان مهامه بموجب القانون رقم (2) لسنة 2008، ويرتبط بالبرلمان مباشرة. وقد أدى الشلل السياسي إلى شل حركته عبر محاور خطيرة:

شغور منصب الرئاسة: أُحيل رئيس الديوان إلى التقاعد في أيار 2023، وبما أن تعيين البديل حصري بالبرلمان، بات المنصب شاغراً.

تعطيل لجان التدقيق والتحقيق: نظراً لأن إيفاد لجان التدقيق وتشكيل لجان التحقيق في ملفات الفساد والهدر المالي يتطلب توقيعاً حيداً وأمراً مباشراً من رئيس الديوان حصراً، فإن المؤسسة عاجزة تماماً اليوم عن أداء مهامها قانونياً.

غياب الرقابة المالية: غدت المعاملات المالية لحكومة الإقليم (الإيرادات والمصروفات) تفتقر إلى التدقيق السنوي الشامل والغطاء القانوني السليم، مما خلق فجوة مؤسساتية قاتلة.

3 –الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان

تأسست بموجب القانون رقم (4) لسنة 2010 لحماية الحريات، وتعاني حالياً من:

انتهاء الولاية: انتهت مدة رئيس الهيئة في تموز 2025، دون إمكانية لتجديد الثقة أو التصويت على بديل.

تجميد القوانين وفقدان التنسيق: جُمد تعديل قانون الهيئة وستة قوانين أخرى ذات صلة بحقوق الإنسان، وانقطع التنسيق مع اللجان البرلمانية المختصة، مما أفقد الهيئة القوة الرقابية اللازمة للحد من الانتهاكات ومساءلة الحكومة.

4 – هيئة حماية وتحسين البيئة

تخضع مباشرة لرئاسة مجلس الوزراء بموجب القانون رقم (3) لسنة 2010، وتعاني من:

الفجوة الإدارية: بعد إحالة رئيسها إلى التقاعد في آذار 2025، تُدار الهيئة “بالوكالة”، مما أوقف الاجتماعات الدورية لمجلس الإدارة وعطّل معاملات المواطنين الخاصة بالموافقات البيئية للمشاريع.

تراجع التنسيق وتجميد التعديلات: حُرمت الهيئة من إقرار مسودة تعديل قانونها لفك اشتباك الصلاحيات مع المؤسسات الأخرى، ممّا أدى إلى تراجع العمل المشترك محلياً ودولياً.

تكلفة الصمت البرلماني: هدر المال العام وبدعة “الجلسة المفتوحة”

على الرغم من الانطلاقة الرسمية لبرلمان كردستان في ديسمبر 2024، إلا أن إبقاء الجلسة الأولى “مفتوحة” دون انتخاب هيئة الرئاسة يمثل انتهاكاً صارخاً للأعراف الدستورية.

مفارقة السلطة المؤقتة: يستمر صرف الرواتب والمخصصات والامتيازات المالية كافة (حمايات، مخصصات سكن) لأعضاء البرلمان دون تقديم أي منتج تشريعي أو رقابي، وهو ما يُصنف فقهياً وإدارياً كـ “هدر للمال العام مقابل تعطيل الواجبات”.

تسبب هذا الصمت البرلماني في تجميد أولويات قصوى:

قانون الموازنة: تعذر صياغة إطار قانوني يضمن الشفافية للنفقات والإيرادات بناءً على اتفاقات أربيل وبغداد.

اللجان الدائمة: غيابها قطع حلقة الوصل بين المواطن والسلطة لرفع الشكاوى ومراقبة تصريف الأعمال.

الأجهزة الرقابية: تسبب جمود البرلمان في إضعاف دائم للمؤسسات التي تستمد شرعيتها منه.

أدوات الضغط: الاعتصام البرلماني كنموذج تاريخي (1994)

في قراءة للتاريخ السياسي للإقليم، برز “اعتصام البرلمانيين لإيقاف الحرب الأهلية” في حزيران 1994 كأداة ضغط وطنية ملهمة، حيث اعتصم نحو 32 نائباً من مختلف الكتل (الخضراء والصفراء والاشتراكية والآشورية والكلدانية) داخل قاعة البرلمان بأربيل، وخاضوا إضراباً مفتوحاً عن الطعام.

تمثلت مطالبهم حينها في الوقف الفوري للقتال، سحب المسلحين من المدن، إعادة الهيبة للمؤسسات الشرعية، وفرض لقاء قمة بين مسعود بارزاني وجلال طالباني. ورغم أن الاعتصام لم ينهِ الحرب نهائياً، إلا أنه حرك الشارع الكردي الذي تجمهر بالآلاف أمام البرلمان، وشكل ضغطاً أخلاقياً ثقيلاً فرض هدنة مؤقتة ومهد لاتفاقيتي باريس وطهران، متعالياً فوق الحزبية الضيقة.

وانطلاقاً من هذا الإرث، تبرز اليوم مقترحات مدنية لتفكيك الأزمة الحالية:

المسؤولية الأخلاقية: دفع النواب لإنهاء بدعة الجلسة المفتوحة كونهم يمثلون ناخبيهم لا أحزابهم.

نموذج التفعيل المسبق (تجربة بغداد): الفصل بين صراع تشكيل الحكومة وعمل البرلمان، عبر انتخاب هيئة رئاسة (مؤقتة أو دائمة) وتفعيل اللجان لمراقبة حكومة تصريف الأعمال.

الاعتصام البرلماني: لجوء النواب الوطنيين لاعتصام مفتوح داخل القاعة لتشكيل أداة ضغط محلية ودولية.

استطلاع الرأي: لغة الأرقام تؤكد الشلل الإداري

لتقييم تداعيات تأخر تشكيل الكابينة العاشرة، رصد التقرير مؤشراً رقمياً خطيراً: وفق النظام الداخلي لمجلس الوزراء، يجب عقد اجتماع دوري كل أربعاء. لكن خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، ومن أصل 21 اجتماعاً مفترضاً، لم يعقد المجلس سوى 3 اجتماعات فقط، بنسبة التزام بلغت 14% فقط، مما عكس تباطؤاً حاداً انعكس سلباً على إنتاجية المؤسسات.

وفي هذا الصدد، أجرى فريق التقرير استطلاعاً رقمياً شمل نحو 200 موظف حكومي، متوزعين جغرافياً بين أربيل (28.1%)، السليمانية (24.6%)، دهوك (21.1%)، وحلبجة (16.7%)، والإدارات المستقلة، نسبة المشاركة من كلا الجنسين بلغت (79.8% رجال، 20.2% نساء). وجاءت النتائج لتعكس عمق الفجوة.

تقييم البرنامج الوزاري ووعود الإصلاح

65.5% من المستطلعة آراؤهم، وصفوه بـ “السيء”جمود تام في العملية الإصلاحية وغياب القرارات الاستراتيجية.

استجابة مجلس الوزراء لمتطلبات الدوائر

58.8% من المستطلعة آراؤهم، اعتبروها “سيئة فجوة اتصالات حقيقية وعرقلة مستمرة لمعاملات المواطنين.

أثر غياب البرلمان في خلق فراغ رقابي

73.5% من المستطلعة آراؤهم، أكدوا حدوث الفراغ وتعطيل المعاملات القانونية وغياب المساءلة والمحاسبة.

ارتباط ركود الأداء بغياب الرقابة البرلمانية

50% من المستطلعة آراؤهم، اتفقوا تماماً مع الطرح غياب الحسيب والرقيب يكرس البيروقراطية والفساد.

مساهمة تشكيل الحكومة الجديدة في التطوير

47.8% من المستطلعة آراؤهم، (إلى حدٍ ما) – و 31.9% (نعم) وجود مساحة أمل شعبية معقودة على الكابينة العاشرة لتصحيح المسار.

أما بشأن أبرز ارتدادات إطالة أمد الفراغ الحكومي، فقد انقسمت آراء المشاركين إلى ثلاثة عوامل رئيسية:

تنامي التعقيدات والخلافات السياسية بنسبة (38.1%)، تراجع مستوى الخدمات العامة بنسبة (28.3%)، وتآكل ثقة المواطنين بالعملية الانتخابية برمتها بنسبة (25.7%)، ما يولد حالة خمول إداري وغياب الحافز والابتكار بين الموظفين.

مخرجات التقرير والتوصيات

خلص التقرير إلى استنتاجات حاسمة تُثبت أن شلل البرلمان عطل ما بين 30 إلى 40 قانوناً بحاجة ماسة للتعديل، وقوض قيم الشفافية المالية، وسبّب ركوداً تجارياً وقلقاً معيشياً لغياب الرؤية السياسية. وبناءً على ذلك، يضع التقرير حزمة توصيات عاجلة:

تفعيل فوري وغير مشروط: إعادة تفعيل البرلمان فوراً، والالتزام باللوائح لانتخاب هيئة الرئاسة وتشكيل الحكومة، أو اللجوء للخيارات القانونية البديلة.

الترفع عن الحزبية: إلزام الكتل البرلمانية بممارسة دورها التشريعي والضغط على أحزابها لإنهاء الانسداد وفق الصلاحيات الممنوحة لها.

التحريك القضائي: دعوة المؤسسة القضائية للتدخل ووضع سقف زمني ينهي وضعية البرلمان المعطل وحكومة تصريف الأعمال، وإعادة تعريف صلاحياتهما منعاً للمطاطية السياسية.

الضغط المدني المستمر: تكثيف منظمات المجتمع المدني لضغوطها عبر الأدوات القانونية والسلمية المتاحة، ورفض شرعنة حكومة “الأمر الواقع” باعتبارها خللاً دستورياً وإدارياً جسيماً يستدعي تحريك الرأي العام لمواجهته.

زر الذهاب إلى الأعلى