
يتصاعد الجدل السياسي والمالي بين بغداد وأربيل إثر تبادل حاد للاتهامات والتصريحات بين حركة عصائب أهل الحق (حركة الصادقون) والحزب الديمقراطي الكردستاني بشأن رواتب موظفي إقليم كردستان وتسليم الإيرادات المتفق عليها. فبينما تطالب الحركة بقطع التمويل والحسم الفني وفق التقارير الرقابية محذرة من التسويات السياسية، يرفض الحزب الكردستاني رهن الرواتب بالمساومات، مؤكداً الالتزام بالاتفاقات ومعتبراً قوت المواطنين خطاً أحمر لا يجوز إخضاعه للتساوم.
الإيرادات والرواتب
ويقول حسين الشيحاني، عضو المكتب السياسي لحركة الصادقون، في حديث لـ”کورد مونیتور” اليوم الثلاثاء (9 حزيران يونيو 2026)، إن ”هناك تقارير رسمية صادرة عن جهات معنية بالشأن المالي، في مقدمتها وزارة المالية الاتحادية وديوان الرقابة المالية الاتحادي، تشير بشكل صريح إلى عدم التزام إقليم كردستان بتعهداته المالية”، مبيناً أن ”القضية لا تخضع للآراء أو التقديرات السياسية، وإنما تستند إلى معطيات وتقارير فنية رسمية”.
ويضيف، أن ”الإقليم مطالب بالوفاء بالتزاماته القانونية تجاه الحكومة الاتحادية، من خلال تسليم كامل الإيرادات النفطية وغير النفطية، ومن ثم المطالبة باستحقاقاته المالية من الموازنة العامة”، مشيراً إلى أن ”هذا المسار يمثل الأساس القانوني لمعالجة الملف”.
ويشدد على أن ”رواتب موظفي الإقليم لا ينبغي أن تكون موضع مساومة أو ابتزاز من أي طرف”، مؤكداً أن “مواطني إقليم كردستان هم مواطنون عراقيون، وأن موظفي الإقليم يتمتعون بالحقوق نفسها التي يتمتع بها الموظفون في باقي المحافظات العراقية”.
تسويات سياسية
ويردف عضو حركة الصادقون “العصائب”، إن ”حكومة الإقليم كان يفترض بها توطين رواتب الموظفين، بما يتيح صرفها عبر البطاقات المصرفية ويجنبهم الإشكالات المتكررة المرتبطة بهذا الملف”، لافتاً إلى أن ”الإقليم مطالب بمراعاة مواطنيه قبل المطالبة بمراعاتهم من الجهات الأخرى”.
وفي ما يتعلق بإمكانية خضوع الملف إلى تسوية سياسية، يعتبر الشيحاني أنه ”من الخطأ التعامل مع هذه القضية بمنطق التسويات السياسية، لأنها تتضمن جوانب فنية ومالية تتعلق بحفظ حقوق المواطنين والشعب العراقي”.
ويؤكد أن ”الدستور العراقي نص بوضوح على أن الثروات الطبيعية هي ملك للشعب العراقي، وليست ملكاً للأحزاب أو الجهات السياسية، وهذه الحقوق لا يمكن أن تكون محل مساومة أو تفاوض سياسي”.
تصريحات وبيانات
وفي أحدث فصول الجدل المتصاعد بين بغداد وأربيل بشأن ملف الرواتب والإيرادات، انتقدت وزارة المالية والاقتصاد في إقليم كردستان، اليوم الثلاثاء، تصريحات النائب الأول لرئيس مجلس النواب عدنان فيحان الدليمي، التي طالب فيها الحكومة الاتحادية بإيقاف إرسال المستحقات المالية إلى الإقليم لحين إجراء تسوية كاملة للملف المالي.
وذكرت الوزارة، في بيان اطلعت عليه “کورد مونیتور”، أن حكومة إقليم كردستان أبدت دائماً استعدادها لحل أي ملاحظات أو إجراء أي تسوية مالية ذات صلة، مؤكدة أنها أوفت بجميع التزاماتها الواردة في قانون الإدارة المالية رقم (6) لسنة 2019 وقانون الموازنة العامة الاتحادية رقم (13) للسنوات 2023 و2024 و2025.
وأضافت الوزارة، أن المطالبة بقطع أو إيقاف رواتب شريحة من مواطني الدولة دون غيرهم تمثل أمراً مثيراً للاستغراب، لا سيما عندما تصدر عن شخصية تشغل منصب النائب الأول لرئيس مجلس النواب، الذي يفترض أن يكون حريصاً على حماية حقوق جميع المواطنين وضمان المساواة بينهم.
وجاء البيان رداً على دعوة أطلقها الدليمي، أمس الاثنين، طالب فيها الحكومة الاتحادية بالتوقف عن تسليم أي مبالغ مالية إلى حكومة إقليم كردستان إلا بعد إجراء التسوية الكاملة للمبالغ المستحقة، استناداً إلى أحكام قانون الموازنة والتقرير المشترك لديواني الرقابة المالية الاتحادي والإقليمي، محذراً من أن أي إجراء يخالف ذلك سيضع الحكومة تحت طائلة المساءلة القانونية.
ضمانات مستدامة
من جهته، يقول القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني ريبوار بابكي، في حديث لـ”کورد مونیتور” اليوم الثلاثاء، إن ”إقليم كردستان سلم الإيرادات المتفق عليها إلى الحكومة الاتحادية وفق التفاهمات المبرمة بين بغداد وأربيل، لغرض قيام الحكومة العراقية بصرف رواتب موظفي الإقليم”، مبيناً أن ”الطرفين اتفقا مسبقاً على حجم ونسبة الإيرادات التي تلتزم أربيل بتحويلها إلى بغداد”.
ويضيف، أن ”الحرب الإيرانية الأمريكية والإسرائيلية ألقت بظلالها على العراق وإقليم كردستان من الناحية الاقتصادية، وأدت إلى انخفاض الإيرادات في الجانبين”، مشيراً إلى أن ”بغداد وأربيل توصلتا مؤخراً، في ظل حكومة علي الزيدي، إلى تفاهم بشأن حجم الإيرادات المطلوب إرسالها من الإقليم مقابل التزام الحكومة الاتحادية بصرف الرواتب”.
ويوضح، أن ”الجانبين يبحثان عن ضمانات مستدامة لهذه الآلية، سواء ما يتعلق بتسليم الإيرادات أو صرف الرواتب”، لافتاً إلى أن ”رئيس الوزراء علي الزيدي عقد اجتماعاً مع المسؤولين المعنيين بهذا الملف في حكومة إقليم كردستان، وجرى خلاله التأكيد على ضرورة إيجاد مخرج نهائي لقضية الإيرادات”.
ويشير إلى أن ”المباحثات تناولت ضرورة زيادة صادرات النفط، ولا سيما عبر إقليم كردستان، بهدف تعزيز الإيرادات الواصلة إلى بغداد وتنويع منافذ تصدير النفط العراقي، باعتبار ذلك إحدى الوسائل الكفيلة بمنع تكرار أزمة الرواتب مستقبلاً”.
ويتابع أن” الجانبين ناقشا أيضاً سبل زيادة الإيرادات غير النفطية لكل من حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية، فضلاً عن بحث تطبيق نظام السكودا في المنافذ الحدودية التابعة للإقليم”.
أجواء إيجابية
ويرى بابكي، أن ”الأجواء الحالية تختلف عن المراحل السابقة، وأن التفاهمات التي أبرمت بشأن ملف رواتب الإقليم، إلى جانب زيارة رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني إلى بغداد ولقائه رئيس الوزراء علي الزيدي وعدداً من القيادات السياسية الشيعية والسنية، عكست وجود إرادة مشتركة لحل الأزمة”.
ويؤكد، أن ”جميع الأطراف شددت خلال تلك اللقاءات على ضرورة معالجة ملف الرواتب، وأن الزيدي تعهد خلال لقائه بارزاني بإيجاد حلول لهذا الملف وإنهاء الأزمة”.
ويرى القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني، أن ”مشكلة الرواتب في المرحلة الحالية باتت أقرب إلى أن تكون مسألة فنية وليست سياسية، على عكس ما كان يعتقد في الحكومات السابقة”، لافتاً إلى أن ”هناك انطباعاً سائداً خلال فترة حكومة محمد شياع السوداني بوجود دوافع سياسية وراء عدم صرف الرواتب، وأن وزارة المالية آنذاك كانت تتعرض لضغوط من جهات سياسية بهذا الاتجاه”.
ويختم بابكي حديثه قائلاً: إن ”الأجواء الإيجابية السائدة حالياً بين بغداد وأربيل تجعل من الممكن حل أزمة الرواتب وصرف مستحقات موظفي إقليم كردستان، شريطة عدم تدخل القوى السياسية وتحويل الملف إلى قضية سياسية من جديد”.
خط أحمر
إلى ذلك، ورفض النائب الثاني لرئيس مجلس النواب فرهاد أتروشي، صباح اليوم الثلاثاء، في بيان اطلعت عليه “کورد مونیتور”، دعوات إيقاف التمويل المالي للإقليم، واصفاً رواتب موظفي كردستان بأنها “خط أحمر” وقوت يومي لا يجوز ربطه بالخلافات السياسية أو الحسابية.
وأكد أتروشي، أن قرار المحكمة الاتحادية العليا فصل ملف رواتب موظفي الإقليم عن أي خلافات أو التزامات سياسية ومالية بين بغداد وأربيل، معتبراً أن رواتب موظفي الإقليم تمثل حقوقاً دستورية ومعيشية لا يجوز رهنها بأي إجراءات عقابية أو تسويات متبادلة.
وأوضح، أن حكومة إقليم كردستان تعمل بتنسيق كامل مع ديوان الرقابة المالية الاتحادي، وأن التخفيضات التي طرأت على بعض المبالغ المطلوبة لم تكن تنازلاً من الحكومة الاتحادية، بل جاءت نتيجة مراجعات فنية وقانونية أجرتها لجان وزارية مختصة، أخذت بنظر الاعتبار الإيرادات الفعلية وآليات الجباية والصلاحيات المشتركة وفق الدستور.
وأشار البيان إلى أن حكومة الإقليم لم تتسلم خلال الأشهر الأخيرة سوى ما بين 40 و50 مليار دينار شهرياً من الإيرادات غير النفطية، مؤكداً أن هذه الأرقام تمثل الإيرادات الحقيقية المستحصلة والمطابقة للمعايير الفنية، وليست نتيجة تقصير أو إخلال بالالتزامات.
وشدد أتروشي على أن الإقليم يطالب بتسوية شاملة تتضمن مستحقاته غير المدفوعة من الموازنة العامة، ومصاريف إنتاج ونقل النفط، فضلاً عن التعويضات الناجمة عن قرارات تسببت بأضرار اقتصادية للإقليم، مبيناً أن هذه المستحقات تفوق الفروقات المالية المثارة حالياً.
عدم التزام الإقليم
وكان النائب الاول لرئيس مجلس النواب عدنان فيحان الدليمي، قال في بيان اطلعت عليه “کورد مونیتور” أمس الاثنين، إن حكومة إقليم كردستان كانت ملزمة، وفق المادة (13) من قانون الموازنة العامة رقم (13) لسنة 2023 والاتفاق المبرم بين بغداد وأربيل لعام 2025، بتسليم الإيرادات غير النفطية البالغة 391 مليار دينار شهرياً إلى الحكومة الاتحادية استناداً إلى التقرير النصفي المشترك لديواني الرقابة المالية الاتحادي والإقليمي لعام 2025.
وأضاف، أن اللجنة الوزارية السداسية توصلت مع حكومة الإقليم إلى اتفاق يقضي بتخفيض المبلغ إلى 200 مليار دينار شهرياً، إلا أن حكومة الإقليم، بحسب البيان، لم تلتزم بتنفيذ الاتفاق رغم استمرار الحكومة الاتحادية بدفع رواتب موظفي الإقليم خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2025.
وأشار الدليمي إلى اتفاق آخر جرى التوصل إليه نهاية عام 2025، يلزم حكومة الإقليم بتسديد 120 مليار دينار من الإيرادات غير النفطية مع زيادة سنوية بنسبة 10 بالمئة، ليصبح المبلغ الواجب تسليمه خلال عام 2026 نحو 132 مليار دينار شهرياً.
وبين، أن الحكومة الاتحادية دفعت رواتب موظفي الإقليم لمدة خمسة أشهر من عام 2025، في حين لم تتسلم حكومة بغداد أي مبالغ من الإيرادات غير النفطية خلال تلك الفترة، بينما استلمت خلال الأشهر الخمسة الماضية من عام 2026 ما بين 40 و50 مليار دينار شهرياً فقط، وهو ما عده فارقاً كبيراً عن المبالغ المستحقة وفق الاتفاقات والتقارير الرقابية المشتركة.
واختتم الدليمي بيانه بالتأكيد على أن الالتزام بأحكام قانون الموازنة والتقارير الرسمية الصادرة عن ديواني الرقابة المالية الاتحادي والإقليمي يمثل الأساس القانوني لتنظيم العلاقة المالية بين بغداد وأربيل، وبما يضمن حفظ المال العام وصيانة حقوق جميع العراقيين وفقاً للقانون.





