إنذار أحمر في «الخضراء».. هل دقت ساعة تكسير عظام «الكبار»؟

شهدت العاصمة بغداد، فجر اليوم الأحد، حملة اعتقالات واسعة استهدفت مسؤولين ونواباً بتهم فساد مالي واستغلال نفوذ، بناءً على مذكرات قضائية مدعومة بعضها باعترافات وكيل وزارة النفط السابق. وأعرب مراقبون سياسيون عن أملهم من أن هذه الإجراءات، التي شملت مداهمات داخل المنطقة الخضراء وخارجها، أن تمثل انتقالاً حقيقياً لحكومة علي فالح الزيدي من مرحلة الشعارات إلى التنفيذ الفعلي، مما يعزز ثقة المواطن بالدولة ويكسر قواعد اللعبة التقليدية..

الحملة الأولى

ويقول مصدر مطلع، في حديث لـ”العالم الجديد” اليوم الأحد (28 حزيران يونيو)، إن “حملة الاعتقالات الأخيرة استهدفت مسؤولين ونواباً صدرت بحق أغلبهم مذكرات قبض”.

ويضيف المصدر، أن “المرحلة الأولى من الحملة ركزت على تنفيذ أوامر الاعتقال داخل المنطقة الخضراء، إذ تولت الفرقة الخاصة، بإسناد من قوة تابعة لجهاز مكافحة الإرهاب، تنفيذ عمليات الدهم والاعتقال داخل المنطقة، قبل أن تتوسع العمليات لاحقاً إلى خارجها”.

وبحسب المصدر، الذي طلب حجب اسمه، فإن جهاز مكافحة الإرهاب والاستخبارات العسكرية توليا تنفيذ الاعتقالات خارج المنطقة الخضراء، وشملت العمليات مناطق اليرموك، والقادسية، والشعب، والمدينة، وزيونة، بالتنسيق مع الفرقة الخاصة.

أموال وسيارات

ويشير المصدر إلى أن جميع الأشخاص الذين جرى اعتقالهم تعرضت منازلهم إلى عمليات دهم وتفتيش، أسفرت عن العثور على مبالغ مالية كبيرة داخل عدد منها، فضلاً عن مصادرة سياراتهم، مبيناً أن الإجراءات نفذت بإشراف هيئة النزاهة، وبمشاركة مدير التحقيقات في الهيئة.

ويلفت إلى أن ثمانية أشخاص اعتقلوا من داخل المنطقة الخضراء، في حين تمكن عشرة آخرون من مغادرتها قبل تنفيذ أوامر القبض بحقهم..

وشهدت العاصمة بغداد، فجر اليوم الأحد، حملة أمنية واسعة تركزت في المنطقة الخضراء وعدد من مناطق العاصمة، تخللتها عمليات دهم واعتقال استهدفت مسؤولين وشخصيات سياسية على خلفية ملفات تتعلق بالفساد المالي والإداري واستغلال النفوذ، في واحدة من أكبر الحملات التي تشهدها البلاد خلال الفترة الأخيرة.

وامتدت الإجراءات الأمنية إلى مناطق أخرى خارج بغداد، وشملت مسؤولين محليين في عدد من المحافظات، فيما وصفت مصادر أمنية وقانونية الحملة بأنها بداية لتحرك أوسع لمكافحة الفساد.

وتزامنت الحملة مع انتشار أمني مكثف داخل المنطقة الخضراء، وإغلاق عدد من مداخلها الرئيسة، إلى جانب انتشار آليات عسكرية ومدرعات وعناصر أمنية قرب المجمعات السكنية ومقار السفارات والبعثات الدبلوماسية والمؤسسات الحكومية، فضلا عن تسجيل تحركات أمنية في عدد من شوارع العاصمة، وفقاً لما أظهرته مقاطع فيديو متداولة وتقارير إعلامية اطلعت عليها “العالم الجديد”.

جنرالات وقضاة

ويكشف المصدر المطلع، عن أن العملية أشرف عليها الوكيل الأمني لرئيس جهاز مكافحة الإرهاب زيد حرشي، ورئيس الاستخبارات العسكرية الفريق حسن السيلاوي، ورئيس الفرقة الخاصة محمد الفهد، فيما وقع أوامر الاعتقال القاضي ضياء جعفر.

ويؤكد المصدر، أن التحقيقات لا تزال مستمرة، وتشمل ملاحقة شخصيتين سياسيتين تنتميان إلى جهتين سياسيتين شيعيتين، على خلفية شبهات تتعلق بملف المنافذ الحدودية الجنوبية، فضلاً عن ارتباطهما بقضية وكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي.

وفي أحدث التطورات، نشرت وكالة الأنباء الرسمية العراقية، أسماء عدد من الأشخاص الذين شملتهم أوامر الاعتقال، واطلعت عليها “العالم الجديد”، وهم: رئيس تحالف عزم مثنى السامرائي، وعضو مجلس النواب زياد الجنابي، وعضو مجلس النواب بهاء النوري، وعضو مجلس النواب محمد الكربولي، وعضو مجلس النواب عالية نصيف، وعضو مجلس النواب محمد جميل المياحي، وعضو مجلس النواب حسن الخفاجي، وعضو مجلس النواب عبد الرحمن اللويزي، وعضو مجلس النواب مضر الكروي، وعضو مجلس النواب هند العباسي، وعضو مجلس النواب محمد فرمان الجبوري، وعضو مجلس النواب بشرى القيسي، وعضو مجلس النواب السابق محمد الصيهود، ووكيل وزارة النفط لشؤون التوزيع علي معارج، ومستشار رئيس الوزراء السابق إبراهيم الصميدعي.

مفتاح الجميلي

ويقول المحلل السياسي أثير الشرع، في حديث لـ”العالم الجديد”، إن حملة الاعتقالات التي نفذتها قوات مكافحة الإرهاب فجر اليوم الأحد “ربما جاءت بدعم من جهات أخرى”، مبيناً أنها تندرج في سياق فتح ملفات الفساد، فضلاً عن نتائج التحقيقات والاعترافات التي أدلى بها وكيل وزير النفط المعتقل عدنان الجميلي، والتي وصفها بأنها مفتاح للوصول إلى كثير من ملفات الفساد.

ويضيف، أن قضية الجميلي كشفت، بحسب تقديره، عن شبكات فساد واسعة، لافتاً إلى أن مصفى جيجي كان يغذي جهات وشخصيات كانت تستفيد من ثروات العراق على حساب الشعب.

مرحلة التنفيذ

ويرى الشرع، أن “هذه الحملة تنسجم مع ما أعلنه رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي بشأن محاربة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة، وهو شعار سبق أن رفعته حكومات سابقة من دون تنفيذ، إلا أن ما جرى اليوم يمثل انتقالاً إلى مرحلة التنفيذ”.

ويعتقد، أن “تنفيذ مذكرات اعتقال بحق نائب يتمتع بالحصانة أو مسؤولين كبار ورؤساء كتل ليس أمراً سهلاً، لأنها بمثابة مفاتيح لهؤلاء المسؤولين الكبار، ما يعني أن الملف لم ينته بعد”.

وينبه المحلل السياسي إلى أن “هناك، بحسب المعلومات المتداولة، نحو 129 مذكرة اعتقال بحق وزراء سابقين ووكلاء وزارات ورؤساء كتل سياسية”، معتبراً أن “هذه الأسماء تمثل أبرز المتهمين في ملفات فساد تتعلق بتهريب الأموال والعملة والاستيلاء على النفط وبيعه بطرق غير شرعية”.

كما يشير إلى أن “من بين الأسماء 13 نائباً حالياً رفعت الحصانة عنهم، وقد اعتقل بعضهم في الحملة الجارية”.

تعزيز الثقة

ويذهب الشرع إلى أن “هذه الإجراءات عززت ثقة المواطن بالحكومة، وأن وفاء رئيس الوزراء بوعده بملاحقة الفاسدين، مهما كانت مناصبهم، منح المواطنين انطباعاً بوجود انتقال من مرحلة الشعارات إلى مرحلة الفعل التنفيذي، ولا سيما إذا استمرت الاعتقالات بحق شخصيات نافذة، وليس موظفين صغار فقط”.

ويردف، أن “نجاح الاعتقالات واستمرار الإجراءات القضائية يعنيان،ط أن الحكومة تمتلك خطاباً سياسياً وإعلامياً يسمح لها بمواجهة قوى نافذة اعتادت الحماية الحزبية أو البرلمانية”، مرجحاً أن “تدفع هذه الحملة بعض القوى السياسية إلى الاصطفاف مع الحكومة دعما لمشروع الإصلاح وإعادة التوازنات الداخلية”.

وذكر المتحدث باسم الحكومة، حيدر العبودي، في حوار مع تلفزيون “الجزيرة” تابعته “العالم الجديد”، أن “ما جرى فجر اليوم من حملة واسعة، نُفِّذت بإسناد من السلطة القضائية، أسفر عن إلقاء القبض على عدد كبير من المتهمين بالكسب غير المشروع، وتضخم الأموال، فضلاً عن الشبهات بالفساد. وتأتي هذه الإجراءات تحت مظلة قانونية كاملة وبأوامر قضائية، من أجل الحفاظ على سلامة المسار القانوني، علماً أن العملية ما تزال مستمرة”.

وأشار إلى أن “إجراءات مكافحة الفساد حظيت بإشادات واسعة، كونها نُفذت بشفافية ووفق الأطر القانونية، بما يضمن الحفاظ على المال العام ومحاسبة المتجاوزين”.

دعم الصدر

ويشير الشرع إلى أنه “إذا لمس التيار الصدري، بزعامة مقتدى الصدر، جدية الحكومة في ملاحقة الفساد، فإنه قد يقف إلى جانبها، حتى لو شملت التحقيقات شخصيات تنتمي إلى التيار”، لافتاً إلى أن “المؤشرات الحالية توحي بعدم وجود خطوط حمراء أمام الحكومة في ملاحقة المتهمين بالفساد”.

وبحسب وكالة “شفق نيوز” المحلية، إن “الصدر، أوصل رسالة عبر مقربين منه، إلى الزيدي، ظهر اليوم، تضمنت إعلان دعمه الكامل والمطلق لحملة مكافحة الفساد والإجراءات الرامية إلى اعتقال الفاسدين، أياً كانت مواقعهم أو انتماءاتهم”.

وأضافت، نقلاً عن مصدر، أن “الصدر شدد في رسالته على ضرورة استمرار الحملة وعدم التراجع عنها، وصولاً إلى الإطاحة بجميع المتورطين في ملفات الفساد، بغض النظر عن مواقعهم السياسية أو مناصبهم الحكومية”.

وأشارت إلى أن “الرسالة أكدت أهمية المضي في الإجراءات القانونية بحق المتهمين بقضايا الفساد، بما يعزز جهود الدولة في ترسيخ سيادة القانون ومحاسبة المسؤولين عن هدر المال العام”.

الدور الأمريكي

وفيما يتعلق بالدور الأمريكي، يقول الشرع إنه “لا يستبعد وجود دعم في مجال التحقيقات، استناداً إلى اتفاقيات التعاون بين العراق والولايات المتحدة، مرجحاً أن يكون هذا التعاون مرتبطاً بملفات مكافحة الفساد”، وينبه إلى أن إدارة بول بريمر، بحسب رأيه، أسهمت سابقاً في وصول عدد من الشخصيات إلى مواقع متقدمة داخل الدولة.

أحكام غير مسيسة

ولا يستبعد المحلل السياسي، أن “حملة الاعتقالات قد تدفع قوى سياسية إلى معارضة الحكومة خشية امتداد التحقيقات إلى شخصيات مقربة منها، في وقت يرى فيه المواطن العراقي أن نجاح أي حكومة يقاس بقدرتها على مكافحة الفساد”، معتبراً أن “ملاحقة شخصيات كبيرة قد تمنح الحكومة زخماً شعبياً وتعيد جزءاً من الثقة بالمؤسسات”.

لكن الشرع يشدد على أن “الاعتقالات وحدها لا تكفي، وإنما يبقى المعيار الحقيقي هو الوصول إلى أحكام قضائية عادلة تستند إلى أدلة قانونية”، محذراً من أن “غياب ذلك قد يفتح الباب أمام اتهامات باستخدام ملفات الفساد لتصفية الخصوم السياسيين أو بتأثيرات خارجية”.

ويستطرد، أن “المجتمع الدولي والمستثمرين ينظرون إلى مكافحة الفساد بوصفها عاملاً أساسياً لتحقيق الاستقرار الاقتصادي وتعزيز بيئة الاستثمار”، مؤكداً أن “نجاح هذه الخطوة يعتمد على ثلاثة عوامل رئيسية، هي وجود أدلة قانونية متينة، وتوافر دعم سياسي كاف، وقدرة الدولة على حماية القضاء والمحققين من الضغوط والتهديدات”.

ويختتم الشرع بالقول، إن “اعتقال مسؤولين ونواب كبار بتهم فساد لن يكون مجرد إجراء قضائي، بل سيشكل مؤشراً على قدرة حكومة علي فالح الزيدي على كسر قواعد اللعبة السياسية التقليدية في العراق”، عاداً “فتح ملفات الفساد يمثل انتصاراً لحق الشعب في العدالة، وأن هيبة الدولة لا تستعاد بالشعارات، وإنما بتطبيق القانون على جميع المتهمين مهما كانت مناصبهم”.

وأعلنت هيئة النزاهة، في بيان رسمي، اليوم الأحد، مباشرة إجراءاتها الحازمة بصدد تنفيذ مذكرات القبض القضائية الصادرة بحق عدد من المتهمين بالتجاوز على المال العام.

وأكدت الهيئة، أن هذا الإنجاز جاء ثمرةً لتضافر الجهود المشتركة والتكاملية بين السلطات الثلاث القضائية والتنفيذية والتشريعية مع جهود الهيئة، والتي أفضت بشكل مباشر إلى تنفيذ تلك الأوامر بعدها حصيلةً لعمليات متابعة وتدقيق ومراقبة دؤوبة ومستمرة من قبل الجهات المذكورة.

وشددت الهيئة، في البيان الذي اطلعت عليه “العالم الجديد”، على أن جميع إجراءاتها المتخذة تجري بدقة بموجب أحكام القانون وتحت مظلته، منوهة بأنها تستمد قوتها وعزيمتها من التأييد الشعبي المطلق وسلطة القانون، والدعم اللامحدود والمؤازرة المستمرة من لدن رئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس النواب.

وتأتي هذه التطورات بعد تعهد رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي بمكافحة الفساد وسوء الإدارة، إلى جانب حصر السلاح بيد الدولة، وهي تعهدات رافقها، خلال الشهر الجاري، إعلان مصادرة أكثر من 85 مليون دولار في قضية فساد مرتبطة بعدنان الجميلي، فيما أعلن مجلس القضاء الأعلى، في وقت سابق، القبض على مدير دائرة صحة صلاح الدين رائد الجبوري استنادا إلى اعترافات الجميلي أثناء استجوابه.

زر الذهاب إلى الأعلى