سيناريوهات وتداعيات.. ماذا لو قضت المحكمة الاتحادية بـ “انتهاء ولاية” حكومة إقليم كردستان؟

في الأوساط القانونية والسياسية العراقية، يُعدّ التساؤل حول الوضع القانوني لحكومة إقليم كردستان كـ “حكومة تصريف أعمال” أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية.

إذا أصدرت المحكمة الاتحادية العليا قراراً يقضي بأن حكومة الإقليم الحالية برئاسة مسرور بارزاني تُعتبر حكومة تصريف أعمال يومية، فإن هذا السيناريو سيحدث زلزالاً سياسياً وإدارياً واسع النطاق، وسيترتب عليه تداعيات قانونية مباشرة على القرارات الصادرة خلال الفترة الممتدة من 2022 إلى 2025 (وهي الفترة التي تلت انتهاء العمر القانوني لبرلمان الإقليم في أواخر عام 2022 وما لحقها من تعثر في تشكيل حكومة جديدة).

فيما يلي تحليل قانوني وسياسي شامل لما سيحدث والقرارات المهددة بالإلغاء:

أولاً: ماذا يعني “تصريف الأعمال” قانوناً؟
وفقاً للمفاهيم الدستورية المستقرة لدى المحكمة الاتحادية العليا في العراق، فإن حكومة تصريف الأعمال اليومية (Caretaker Government):

تُجرّد من الصلاحيات الاستراتيجية: تفقد القدرة على اقتراح القوانين، إبرام الاتفاقيات الدولية والاستثمارية الكبرى، أو إجراء تعيينات في المناصب السيادية والعليا.

تنحصر صلاحياتها في الأمور الاعتيادية: تقتصر مهامها على تسيير الشؤون الإدارية اليومية المتكررة التي لا يمكن تأجيلها، واللازمة لاستمرار عمل المرفق العام (مثل تسيير الرواتب والمعاملات الإدارية البسيطة).

ثانياً: ما هي القرارات المهددة بالبطلان والالتغاء (2022 – 2025)؟
إذا طبقت المحكمة الاتحادية مبدأ البطلان بأثر رجعي على القرارات الصادرة خارج إطار “تصريف الأعمال اليومية” خلال تلك السنوات، فإن القرارات التالية ستكون في مهب الريح:

  1. اتفاقيات الطاقة وعقود النفط والغاز الكبرى
    تُعد عقود الطاقة الاستراتيجية أولى الضحايا؛ لأن حكومات تصريف الأعمال لا تملك الصلاحية الدستورية لإبرام تعهدات مالية واستثمارية طويلة الأمد تُلزم الحكومات المتعاقبة.

مثال واقعي: الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي أبرمتها وزارة الثروات الطبيعية في الإقليم بين عامي 2023 و 2025 لتطوير حقول غازية (مثل حقلي ميران وتوبخانة) أو عقود استثمار الطاقة مع شركات أجنبية (مثل الشركات الأمريكية التي جرى التوقيع معها في واشنطن عام 2025)، ستعتبر باطلة بطلاناً مطلقاً لصدورها من جهة غير مخولة قانوناً بربط مقدرات الإقليم الاقتصادية بقرارات سيادية.

  1. التعيينات في المناصب العليا والدرجات الخاصة
    أي تعيينات لدرجات خاصة (مدراء عامون، مستشارون، وكلاء وزارات، أو رؤساء هيئات مستقلة) صدرت بقرارات من مجلس وزراء الإقليم أو رئيس الحكومة خلال هذه الفترة ستكون عرضة للإلغاء المباشر، لكونها تتجاوز مفهوم “تمشية الأمور اليومية”.
  2. تخصيصات الأراضي والمشاريع الاستثمارية الكبرى
    قرارات منح الرخص الاستثمارية لمشاريع عقارية وتجارية ضخمة، أو قرارات تخصيص وتمليك مساحات واسعة من أراضي الدولة لجهات استثمارية أو تجارية، قد تواجه الطعن والبطلان لأنها تندرج تحت بند “التصرف بأملاك الدولة السيادية”، وهو ما تفتقر إليه حكومة تصريف الأعمال.
  3. القرارات المالية والقروض الداخلية
    أي قرارات تتعلق بإصدار سندات، أو الاقتراض الداخلي، أو فرض رسوم وضرائب جديدة لم تكن مقرة بقانون مسبق قبل دخول الحكومة مرحلة تصريف الأعمال، ستعتبر غير دستورية.

ثالثاً: التداعيات السياسية والإدارية الشاملة

  1. تجريد حكومة أربيل من الشرعية القانونية أمام الشركات الأجنبية
    هذا القرار سيجعل أي شركة دولية تتردد كثيراً في توقيع أي عقد أو استثمار داخل الإقليم، خشية أن يُلغى العقد لاحقاً من قبل بغداد أو المحكمة الاتحادية، مما يتسبب في تراجع الثقة الاقتصادية ببيئة الاستثمار في كردستان.
  2. تسريع الإجبار السياسي لتشكيل الحكومة
    سيمثل القرار ورقة ضغط قضائية وسياسية هائلة على القوى السياسية الكردية المهيمنة (خاصة الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني) لإنهاء الخلافات والتعجيل بعقد جلسات البرلمان الجديد وتشكيل حكومة كاملة الصلاحيات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الملفات المعطلة.
  3. تعزيز قبضة بغداد المالية والرقابية
    في حال تجميد أو إبطال قرارات الإقليم الاقتصادية، ستزداد حاجة كردستان للاعتماد على التمويل المباشر من وزارة المالية الاتحادية في بغداد (مثل آلية توطين الرواتب وصرفها المباشر)، مما يقلص من مساحة الاستقلال المالي الذاتي الذي كان يتمتع به الإقليم تاريخياً.

خلاصة قانونية: إن الحكم باعتبار حكومة الإقليم “حكومة تصريف أعمال” لن يوقف عمل الدوائر الخدمية أو يمنع دفع رواتب الموظفين (لأن هذه تندرج ضمن تمشية الأمور اليومية وحماية قوت المواطنين)، لكنه سيضع جداراً قانونياً سميكاً يمنع السلطة التنفيذية في أربيل من إبرام أي اتفاقيات طاقة، استثمار، أو تعيينات سيادية، مما يجرّدها من أنيابها الاقتصادية والسياسية ويضع كامل تركتها الإدارية منذ أواخر 2022 تحت مجهر الإلغاء القانوني.

زر الذهاب إلى الأعلى