الحشد الشعبي؛ القوة التي تدفع ثمن جهل قادتها

يَبكونَ جِياداً فوقَ جثامينِ ذويهم من منتسبي الحشد الشعبي، أولئك الذين حصدتهم آلة القصف الأمريكي. تتعالى صرخاتُ الثكالى ونحيبهم لتبلغ عنان السماء، ولو أنكَ وقفتَ بينهم قبل أن يباغتهم الموت، وسألتهم سؤالاً جاداً ومكشوفاً: “في سبيل ماذا تقاتلون؟”، لتاهت عنهم الإجابة الدقيقة. لعلّ جواب هذا السؤال يربض في أدراج قادتهم؛ أولئك الذين تتقطع قلوبهم أسىً وحرقةً على إيران، بينما لو احترقت قلوبهم على العراق بهذا القدر، لتبوّأ وطنهم اليوم مكانةً تليق بكرامته.

منذ سنوات، وتلك الفصائل التي نعتت نفسها بـ “جبهة المقاومة” تجترّ واقعاً مرّاً؛ وهو أن الوجود الأمريكي في العراق بات قضاءً مبرماً، ولم يعد لاستهداف تلك القوات أو للشعارات الرنانة بـ “طردها” أي جدوى تذكر. وبناءً على هذا، انصرف أمراء الحرب هؤلاء، لا سيما قادة الخط الأول، إلى عالم التجارة ومطاردة الدولار، حتى أنهم في حرب الأيام الاثني عشر، ضنّوا بأموالهم ولم يرتضوا مقايضتها بالدفاع عن إيران، واعتصموا بالصمت المطبق.

الحرب هذه المرة تختلف جذرياً، فقد استقر في روع جبهة المقاومة حقيقةٌ مفادها: أن الضربات تسقط في طهران، لكنّ شظايا الوجع تتطاير لتصيب بغداد والأنبار، وتئنّ منها النجف وكربلاء. وفي خطوة أقرب إلى “الانتحار”، اتخذوا قراراً بالارتماء في أحضان الحرب الإيرانية وإسناد الدولة التي أنشأتهم وسلّحتهم. بيد أنه في الوقت الذي يتصدر فيه أكابر قادة إيران خطوط المواجهة الأمامية مع أمريكا، يغيب قادة جبهة المقاومة تماماً فلا يعلم أحدٌ مستقرهم؛ لقد ساقوا المئات من جنودهم إلى مسلخ الحرب، بينما يصرخون بنبرةٍ آمرة: “دكّوا الأمريكيين!”، دون أن يبين أحدٌ أين يتوارى ذلك الصوت الذي يُملي الأوامر.

منذ اندلاع الحرب الإيرانية وحتى يومنا هذا، قُتل ما يزيد على 65 مسلحاً من الحشد الشعبي، من بينهم قادة ميدانيون، فضلاً عن إصابة أكثر من 130 آخرين، وتوزعت خارطة الهجمات بين: بغداد، نينوى، صلاح الدين، كركوك، ديالى، والأنبار.

وتتشكل بنية جبهة المقاومة من:

  • كتائب حزب الله العراقي
  • عصائب أهل الحق
  • حركة النجباء
  • كتائب سيد الشهداء
  • حركة أنصار الله الأوفياء
  • كتائب الإمام علي

بعض هذه الجماعات بات يملك أذرعاً سياسية وممثلين تحت قبة البرلمان العراقي، واقتنص بعضها الآخر حقائب ومناصب داخل الحكومة؛ ليتغلغلوا في المنظومة المالية والاقتصادية التي هندستها أمريكا وتدير دفّتها. لكنّ الغاية القصوى لقادة هذه الفصائل تكمن في تأمين وصول دولاراتهم إلى مصابّها، دون أي اعتداد بتضحيات مسلحيهم.

وما إن يشتدّ الوعيد الأمريكي وتتلقى هذه الجماعات تحذيرات حاسمة، حتى يسارعوا إلى تعليق هجماتهم على القوات الأمريكية، متدثرين بعباءة “الحفاظ على السيادة العراقية” والنأي بالبلاد عن حافة الهاوية؛ بيد أن الحقيقة الكامنة في نفوسهم هي الهلع من خسارة الثروات الطائلة التي كدّسوها طوال سنين مضت تحت لافتة “مقاومة أمريكا والصهيونية”.

وفي هذا السياق، يذكر موقع “ميدل إيست مونيتور” في تقرير له عن هذه الجماعات: “هؤلاء ليسوا بوطنيين، بل زمرة من النفعيين الطامعين. ليسوا بأصحاب عقيدة، بل طلاب سلطة. لا يقاتلون بدافع الإيمان، بل يركضون خلف الجاه والمال. ليسوا وزراء ولا نواباً، بل هم شيوخ عشائر يرتدون بِلحام الدولة، يمسكون بمقاليد الفصائل المسلحة ويصدرون أوامر الخطف وتكميم أفواه الصحفيين”. وأردف الموقع: “منذ عام 2003 وهم يستبيحون مقدرات العراق وينهبونها، لكنهم كشأن سائر المجرمين، اقترفوا خطأً فادحاً واحداً: لقد تركوا وراءهم خطوطاً وأثاراً مالية واضحة”.

وبينما يرزح المسلحون تحت وابل القصف الأمريكي العنيف، وتتهاوى المقرات والمباني على رؤوسهم، يذوب قادتهم في غمار تهريب أموالهم وحفظها في خزائن سويسرا، والمصارف الإيرانية، والشركات العقارية في أوروبا وأمريكا الشمالية. هؤلاء القادة لا يرهبون عساكر أمريكا وقنابلها، بل يرتعدون فرقاً من شبح الفقر والإفلاس.

كما لفت تقرير “ميدل إيست مونيتور” إلى أن الولاء لدى هذه الفصائل ما هو إلا سِلعة خاضعة للمساومة، والتحالفات تُعرض في المزاد العلني، والوطنية تُصاغ زيفاً وبهتاناً. فإذا رغبت واشنطن في تفكيك عُرى الحشد الشعبي وقطع دابر طهران، فإن عليها استخدام السلاح الوحيد الذي ينحني له هؤلاء الرجال: “المال”؛ لا الحقيقة، ولا المبادئ، ولا العدالة.

يدفع جنود الحشد الشعبي اليوم ثمن الحماقة والجهل الذي يتصف به قادتهم؛ أولئك المستعدون لتقديم رقابهم قرباناً لإيران، في حين أن قاماتٍ مثل حسن نصر الله، يحيى السنوار، وإسماعيل هنية وغيرهم الكثير قد قضوا نحبهم، ولم يصدر عن طهران أي رد فعل استراتيجي سوى بعض التمتمات والاحتجاجات الباهتة. ومثلهم كمثل أي قادة يركبون رأسهم في اتخاذ قرارات طائشة تقذف بشعوبهم في أتون الحروب والمهالك، يوشك قادة الفصائل الشيعية، بعد سنوات من التقاط العراق لأنفاسه وانتعاش اقتصاده نسبياً، أن يقذفوا ببلدهم في سقر الحرب المستعرة في سبيل “لا شيء”.

وقبيل إعلان الحرب الأمريكية ضد إيران، كانت واشنطن قد فرضت شروطاً صارمة على بغداد، جاء في طليعتها نزع سلاح الفصائل وحل الحشد الشعبي نهائياً. غير أن اندلاع المواجهات وانخراط تلك الجماعات المنضوية تحت راية الحشد في القتال، بعث بإشارة صريحة إلى أمريكا بأن الحشد قد اختار مجابهتها؛ الأمر الذي دفع بسلاح الجو الأمريكي إلى تحويل استهداف الحشد الشعبي إلى طقس يومي ومهمة راتبة.

إن المجريات الأخيرة واستهداف الحشد العشائري والحشد الرسمي على حد سواء، يقطع بالدليل أن الولايات المتحدة ترفض الحشد بكافة أطيافه ومسمياته ومكوناته، سواء كان سنياً، تركمانياً، أو مسيحياً، وتدرجه كطرف معادٍ؛ لذا فهي تمضي في دكه دون التفاتٍ إلى مدى موالاة قادته لطهران من عدمها. والبرهان الساطع على ذلك هو استهداف قادة وفصائل ينتمون لـ “حشد المرجعية” والحشد العشائري، ممن لا صلة لهم بإيران، ولم يوجهوا فوهات بنادقهم صوب القواعد الأمريكية قط.

زر الذهاب إلى الأعلى