
يتجه ملف القصف الأمريكي – السعودي لمقرات الحشد الشعبي نحو مواجهة سياسية وأمنية داخل البرلمان، مع طلب استضافة مسؤولين يتقدمهم رئيس الوزراء علي الزيدي ورئيس هيئة الحشد فالح الفياض، وسط تضارب بشأن وصول إنذار مسبق بالهجمات، وتحرك نيابي للتحقيق في المسؤولية وتحديد الحلقة التي توقفت عندها المعلومة قبل سقوط الضحايا.
بين الزيدي والفياض
ويقول عضو المكتب السياسي لحركة عصائب أهل الحق حسين الشيحاني، في حديث لـ”العالم الجديد” اليوم الاثنين (10 آب أغسطس 2026)، إن “ما يجري يتعلق بواجب وطني، وإن المعلومة التي يمتلكونها هي التي تدفع باتجاه المصلحة الوطنية، لكن لا يمكن الحديث حالياً عن وجود تقصير من عدمه، إذ إن لجان تقصي الحقائق هي التي ستكشف ذلك بعد بحث الملف مع جميع الأطراف”.
ويؤكد، أن المعلومات التي يمتلكها، تشير إلى أن رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي تلقى، أثناء وصوله إلى مطار بغداد، معلومة تفيد بأن ضربة جوية ستستهدف بعض مقرات الحشد الشعبي، وأنه أبلغ بدوره رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، لافتا إلى أن “الزيدي تحدث بهذه الرواية أمام القوى الوطنية في الإطار التنسيقي خلال الاجتماع الطارئ والاستثنائي الذي عقد عقب ما وصفه بـالكارثة التي حلت والدماء التي سالت.
ويضيف، أن هيئة الحشد الشعبي أصدرت لاحقاً بياناً رسمياً تنفي فيه وجود علم مسبق لدى رئيس الهيئة”، معتبرا أن “صدور بيان النفي غير مقبول وغير صحيح في وقت تتشكل فيه لجنة تضم أعضاء من لجنة الأمن والدفاع النيابية للتحقيق في القضية، إذ يرى أن ذلك يمثل واجبهم الدستوري والأخلاقي تجاه قضايا تتعلق بالأمن ودماء أبناء الحشد الشعبي أو غيرهم من المقرات، وهو الدور الذي وجدت لجنة الأمن والدفاع من أجله.
المعلومة وصلت ولكن..
ويبين الشيحاني، أن “طلباً قدم ووقعه النائب الأول لرئيس مجلس النواب لتشكيل لجنة تضم ستة أشخاص، وستبحث اللجنة القضية مع جميع الأطراف التي تمتلك معلومات بشأنها”.
ويتابع، أنه حصل على معلومات وأدلة، واتصل ببعض الشخصيات للتحقق منها، ولذلك يتبناها بكل مسؤولية أمام الإعلام، مؤكدا أن الثابت لديه “بالدليل القاطع”، ومن خلال أشخاص وصفهم بـ”المجاهدين”، هو عدم وصول المعلومة إليهم من رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض إلا بعد بدء الضربات واستهداف الموقع في البصرة.
ويشير إلى أن “المعلومة المتعلقة بالموقع في نينوى وصلت قبل تعرضه للضربة، إلا أن الوقت لم يكن كافياً لاتخاذ جميع الإجراءات، ما أدى إلى وقوع شهداء وجرحى.
ويردف عضو المكتب السياسي لحركة العصائب، إذا ثبت أن رئيس هيئة الحشد الشعبي لم يتلق الإخبار، فإن الأمر سيجري بحثه، لكنه يستبعد ذلك لوجود شهود، من بينهم مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة عبد الأمير الشمري، الذي يقول إنه كان حاضراً، فضلاً عن إسماعيل مدير مكتب رئيس الوزراء، والسيد حسان”.
ويوضح، أن “القدر المتيسر من المعلومات لديه يؤكد أن عبد الأمير الشمري كان موجوداً أثناء إبلاغ رئيس مجلس الوزراء بالمعلومة المتعلقة بالقصف، وأن الوقت المحدد كان ساعة قبل بدء استهداف مقرات الحشد الشعبي.
ويؤكد الشيحاني، أنه “إذا ثبت وصول المعلومة إلى رئيس هيئة الحشد الشعبي، فسيجري الانتقال إلى الحلقة التي تليه لمعرفة ما حدث”، لافتا إلى أن “المتوقع، هو أن تلك الأطراف لم تكن على علم إلا بعد بدء ضربة البصرة، وعندها ستحدد اللجنة موضع التقصير بشكل دقيق”.
استضافة برلمانية
وبدأ ملف الهجمات الأخيرة يتخذ مساراً برلمانياً جديداً، مع إعلان رئيس كتلة “صادقون” النيابية عدي عواد، أمس الأحد، تقديم طلب رسمي لاستضافة رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي، ووزير الخارجية، ورئيس هيئة الحشد الشعبي، إلى جانب رئيسي جهازي الأمن الوطني والمخابرات، في جلسة برلمانية مخصصة خلال الأسبوع المقبل، لمناقشة الاعتداءات والخروقات التي طالت الأراضي العراقية ومقرات الحشد الشعبي.
ولا يقف التحرك عند حدود الاستضافة، إذ كشف عواد، خلال مؤتمر صحفي عقده في مبنى البرلمان، عن مطالبة الكتلة أيضاً بتشكيل لجنة تحقيقية مشتركة بين لجنتي الأمن والدفاع والعلاقات الخارجية، على أن تنجز تقريرها خلال 15 يوماً، لبيان حجم الخروقات والاعتداءات التي طالت الأراضي العراقية ومقرات الحشد الشعبي.
ويأتي التحرك البرلماني بعد الضربات الأمريكية – السعودية المشتركة التي استهدفت، في أواخر تموز الماضي، مقرات رسمية تابعة لهيئة الحشد الشعبي في عدد من المحافظات العراقية، وأسفرت، بحسب المعلومات المعلنة، عن مقتل ما لا يقل عن 20 عنصراً من قوات الحشد وإصابة 32 آخرين.
لكن تداعيات الضربات لم تبق محصورة في مسار التحقيق بالهجمات نفسها، إذ انتقلت إلى الجدل بشأن المعلومات التي سبقتها، والجهات التي كانت تمتلكها، وما إذا كانت الإجراءات اللازمة قد اتخذت قبل وقوع القصف، ليصبح ملف الإبلاغ المسبق جزءاً من النقاش السياسي والأمني بشأن المسؤولية عما جرى.
مساءلة سياسية
من جهته، يقول المحلل السياسي ياسين عزيز، في حديث لـ”العالم الجديد” اليوم الاثنين، إن “مجلس النواب العراقي يتشكل من كتل سياسية موجهة من قيادات أحزاب متنفذة في العملية السياسية، ولذلك فإن أي استضافة، إذا كانت مرتبة سياسياً، ستتحول إلى مساءلة سياسية لا تحقق النتائج المرجوة التي تخدم الصالح العام، وربما لا تستكمل الجلسة بسبب السجالات السياسية تحت قبة البرلمان”.
ويضيف، أن “المسؤولية الأمنية والعسكرية يفترض أن تكون محصورة في القيادة العامة للقوات المسلحة، باعتبارها المرجع لأي قرار أو معلومات أمنية وعسكرية، إلا أن واقع الحال في العراق يشير إلى غير ذلك، إذ لا تتحكم القيادة العامة بجميع الأمور التي يجب أن تسيطر عليها”.
المرجعية العسكرية
ويرى عزيز، أن “بعض المؤسسات الأمنية والعسكرية لا تلتزم كلياً بتوجيهات القيادة العامة للقوات المسلحة، الأمر الذي يحدث ارتباكاً وتعددية في القرار والمرجعية الأمنية والعسكرية”، مشدداً على “ضرورة أن يعمل رئيس الوزراء، القائد العام للقوات المسلحة، على ضبط جميع خيوط الأمور الأمنية والعسكرية من أجل تجاوز هذه الفوضى”.
ويشير إلى أن الخلافات بين قيادات الإطار التنسيقي بشأن قيادة الحشد الشعبي ورئيس الهيئة فالح الفياض تحديداً قديمة، وقيس الخزعلي سبق أن أقر، بحسب قوله، بأن التدخل الإيراني حال دون إحداث تغيير في هرم الهيئة”.
ويعتبر عزيز، أن “التسريبات الأخيرة بشأن وصول معلومات إلى قيادات الحشد الشعبي عن الاستهداف السعودي الأمريكي الأخير لمقرات الحشد، وعدم اتخاذ الإجراءات اللازمة للحيلولة دون وقوع ضحايا، ستؤدي إلى تكثيف الجهود لإعادة ترتيب قيادة الحشد الشعبي”.
ادعاءات باطلة
وفي خضم هذا الجدل، نفت هيئة الحشد الشعبي، في وقت سابق من أمس الأحد، بـ”أشد العبارات” الاتهامات الصادرة عن بعض السياسيين بحق رئيس الهيئة فالح الفياض، بشأن امتلاكه معلومات مسبقة عن استهداف مقرات الحشد وعدم إبلاغ القطعات العسكرية بها.
ووصفت الهيئة، في بيان اطلعت عليه “العالم الجديد”، تلك الاتهامات بأنها “ادعاءات عارية من الصحة ولا تستند إلى أي دليل أو حقيقة”، لتضع روايتها في مواجهة مباشرة مع الاتهامات المتداولة بشأن وجود إنذار مسبق لم يترجم إلى إجراءات تمنع سقوط الضحايا.
وبذلك، ينتقل ملف الضربات من سؤال يتعلق بمن نفذها إلى أسئلة أكثر تعقيداً داخل مؤسسات الدولة نفسها: من كان يعلم؟ ومتى وصلت المعلومات؟ ومن كان مسؤولاً عن إيصالها إلى القطعات المستهدفة؟ وهي أسئلة باتت الاستضافة البرلمانية ولجنة التحقيق المرتقبة مطالبتين بالإجابة عنها.
وفي حال مضى البرلمان بطلب الاستضافة خلال الأسبوع المقبل، بالتوازي مع عمل اللجنة التحقيقية ومهلة الـ15 يوماً المحددة لتقريرها، فإن نتائج التحقيق ستكون أمام اختبار يتجاوز تثبيت رواية من روايتين، إلى تحديد المسؤولية السياسية والأمنية عما سبق الضربات وما أعقبها.
وبين طلب استضافة يصل إلى أعلى المستويات التنفيذية والأمنية، ونفي يصدر من هيئة الحشد، لم يعد الجدل يدور حول القصف وحده، بل حول الساعة التي سبقته: من امتلك المعلومة خلالها، وأين توقفت في طريقها إلى المقرات؟ فالضربات انتهت، لكن مسار الإنذار بها قد يكون بداية مواجهة سياسية لم تبدأ بعد.





