الأسيكودا في كردستان: هل يضع حدا للنفوذ الحزبي وينهي التهريب والمعابر الوهمية؟

بعد سنوات من الخلافات بشأن إدارة المنافذ الحدودية وآليات احتساب الرسوم الكمركية، أعلنت بغداد وأربيل التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن تطبيق نظام “أسيكودا” في منافذ إقليم كردستان، في خطوة من شأنها توحيد الإجراءات الكمركية بين الإقليم وبقية المحافظات العراقية، وزيادة مستوى الرقابة والشفافية في حركة البضائع والإيرادات.

وزير الداخلية في حكومة إقليم كردستان، ريبر أحمد، أعلن أمس الأربعاء (12 آب أغسطس) التوصل إلى الاتفاق النهائي، مشيراً إلى أن تطبيق النظام جرى بإشراف مباشر من رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني، وبعد سلسلة اجتماعات بين الجانبين. وقال إن آخر نقاط الخلاف، والمتعلقة بآلية توزيع إيرادات المنافذ الحدودية، حُسمت بالاتفاق على تقاسمها مناصفة، بواقع 50 بالمئة لحكومة الإقليم و50 بالمئة للحكومة الاتحادية. 

وتعود تفاصيل الاتفاق إلى اجتماعات فنية وسياسية استمرت خلال الأشهر الماضية، ففي حزيران يونيو، توصل وفدا بغداد وأربيل إلى اتفاق بشأن 16 نقطة تتعلق بتطبيق نظام أسيكودا.

توحيد المنافذ

ويقول عضو اللجنة المالية النيابية السابق سوران عمر، إن اتفاق تطبيق نظام الأسيكودا سيتضمن توحيد التعرفة الكمركية في جميع منافذ الإقليم، ويمنح كردستان صلاحية تسجيل شركاته داخل النظام.

ويضيف، خلال حديث لـ”کورد مونیتور” اليوم الخميس، أن “الهيئة العامة للكمارك الاتحادية ستتولى تدريب الموظفين العاملين في منافذ الإقليم، كما تم الاتفاق على إضافة اللغة الكردية إلى النظام، وتشكيل لجنة مشتركة لمعالجة ملف المنافذ غير الرسمية”.

ويتابع، أنه “بموجب هذا الاتفاق وتطبيق النظام سيتمكن التجار الكرد من الحصول على الدولار بالسعر الرسمي عبر تخصيص منافذ للبيع، تمكنهم من شراء العملة الصعبة واستيراد بضاعهم، وهذا يعود بالنفع على اقتصاد الإقليم والعراق بشكل عام”.

المنافذ الوهمية

من جانبه، يقول عضو تيار الموقف المعارض سامان علي، إن تطبيق نظام الأسيكودا هو الحل لإنهاء الفساد والفوضى والمنافذ الوهمية في إقليم كردستان.

ويوضح، خلال حديثه لـ”کورد مونیتور” اليوم الخميس، أنه “في إقليم كردستان يوجد أكثر من 20 منفذاً وهمياً، وعائداتها تذهب لأحزاب السلطة، ولا تدخل ضمن إيرادات الحكومة الاتحادية أو حكومة الإقليم”.

ويؤكد، أن “منافذ الإقليم لا تخضع للرقابة أو الشفافية وعائداتها المالية غير معروفة، بسبب غياب النظام الإلكتروني، لتسجيل الإدخال والإخراج، والحل الأمثل هو بتطبيق نظام الأسيكودا، والذي من المفترض أن ينهي أزمة رواتب موظفي الإقليم التي تتكرر شهرياً، بسبب عدم إرسال حكومة كردستان لمبلغ الـ 120 مليار دينار من الإيرادات الداخلية”.

التهريب الحزبي

ويعتقد عضو تيار الموقف الكردي، أن “تطبيق نظام الأسيكودا سينهي حالة التهريب وإدخال المواد الممنوعة، وينهي السيطرة الحزبية على المنافذ الحدودية، كون أي شاحنة تجارية تدخل الحدود سيتم تسجيلها ضمن هذا النظام، ويذهب 50 بالمئة منها للحكومة الاتحادية، و50 بالمئة لحكومة الإقليم”.

وبحسب التوصيات التي أقرها المجلس الوزاري للاقتصاد في شهر حزيران الماضي، فإن تطبيق النظام يترافق مع تشكيل لجنة مشتركة تضم ممثلين عن الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم لإجراء مسح شامل للمنافذ الرسمية وغير الرسمية وتحديد المنافذ المستوفية للشروط القانونية، فضلاً عن إعداد دليل جمركي موحد يشمل الإجراءات والإعفاءات الجمركية.

سيطرات اتحادية

ويأتي الاتفاق بعد فترة شهدت اختلافاً واضحاً في إجراءات فرض الرسوم بين المنافذ الاتحادية ومنافذ الإقليم، ففي شباط فبراير الماضي، أنشأت الهيئة العامة للكمارك أربعة مكاتب كمركية على الحدود الإدارية مع الإقليم، في نقاط السد في نينوى، ودارمان وجمن في كركوك، وباوة محمود في ديالى، بهدف تدقيق الوثائق واستحصال فروقات الرسوم ومنع دخول البضائع بعيداً عن الإجراءات الاتحادية.

وأكد رئيس هيئة المنافذ الحدودية عمر الوائلي، خلال استضافته في مجلس النواب، الاثنين الماضي (12 كانون الثاني يناير 2026)، أن الحكومة الاتحادية اتخذت إجراءات بديلة لمعالجة تراجع إيرادات المنافذ الحدودية، تمثلت بنشر سيطرات ونقاط جمركية في محافظات نينوى وكركوك وديالى، عند المناطق الرابطة بإقليم كردستان، لغرض جباية فروقات الرسوم الكمركية وتوحيد التعرفة، بسبب وجود منافذ ومعابر غير رسمية في إقليم كردستان تتسبب بهدر كبير في المال العام، مؤكداً أن غلقها سيسهم في رفع إيرادات الدولة بشكل ملحوظ.

العائدات المالية

ووفق دراسة نشرها مركز البيان للدراسات والتخطيط، فإن تجربة الأسيكودا أسهمت في رفع إيرادات الكمارك بنسبة 28 بالمئة، فيما وصلت الإيرادات الكمركية في عام 2025 إلى أكثر من 2.2 تريليون دينار عراقي، مع تسجيل زيادات كبيرة في الإيرادات بعد توسع تطبيق النظام.

ومع إنشاء إقليم كردستان سنة 1991، أصبحت المنافذ والمعابر الحدودية الرسمية وغير الرسمية  أحد أهم مصادر إيرادات خزينة حكومة كردستان، وفي الوقت عينه نقطة خلاف رئيسية بين الحزبين الحاكمين، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، حيث كانت تمثل المصدر الرئيسي لتأمين رواتب الموظفين ومتطلبات الوزارات.

وبحسب قانون ديوان الرقابة المالية، الرقم (2) لسنة (2008) والمادة 10 من قانون وزارة المالية بالرقم (2) لسنة (2010) فإن وزارة المالية والاقتصاد في إقليم كردستان تتولى إدارة المنافذ والمعابر في الإقليم، لكن على أرض الواقع لم يتحقق ذلك بغياب إدارة موحدة للمعابر بسبب نفوذ الحزبين الحاكمين، وسيطرتهما الأمنية على المنافذ والمعابر بمعزل عن سيطرة الحكومة الكردية.

إنهاء الازدواجية

الخبير في الشأن الاقتصادي فرمان حسين، يشير إلى أن الاتفاق بين بغداد وأربيل لايقتصر على إدخال برنامج إلكتروني جديد، بل يمثل محاولة لإعادة تنظيم واحدة من أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين الطرفين.

ويذكر، خلال حديث لـ”کورد مونیتور” اليوم الخميس، أن “نجاح التطبيق سيعني توحيد التعرفة والإجراءات، وامتلاك قاعدة بيانات موحدة لحركة التجارة، وتحديد الإيرادات بصورة أكثر دقة، إلى جانب إنهاء الازدواجية في الإجراءات بين منافذ الإقليم والمنافذ الاتحادية”.

الحركة التجارية

ويرجح، أن “تطبيق هذا النظام سينعش الحركة التجارية والاقتصادية في إقليم كردستان، كون التجار سيحصلون على الدولار وبالسعر الرسمي، فضلاً عن استقطاع 50 بالمئة من الإيرادات الداخلية من قبل الحكومة الاتحادية بشكل مباشر، وهذا يعني صرف رواتب موظفي الإقليم بشكل منتظم، دون تكرار المعاناة الشهرية”.

لكن الخبير حسين ينبه إلى أن “التحدي الأكبر سيبقى في مرحلة تنفيذ الاتفاق، خصوصاً ما يتعلق بتوحيد البيانات والتعرفة، ومعالجة المنافذ غير الرسمية، وهي المشكلة الأبرز، بسبب جغرافية الإقليم الجبلية، والتي تسمح للمهربين بفتح منافذ غير مرخصة”.

وتعتمد منافذ الإقليم مع إيران، برويز خان، وباشماخ، وحاج عمران، وتويله، وكرمك، واليخ صالح، وكيلي، ومنافذ فيشخابور، وإبراهيم الخليل مع تركيا، ومنفذ سيمالكا مع سوريا، على التجار من المحافظات العراقية، كونهم يلجئون لتلك المنافذ بسبب الإعفاءات من الرسوم الكمركية، وعدم خضوع البضائع للفحص والتدقيق اللازم.

زر الذهاب إلى الأعلى