
تميزت السياسة التركية عن السياسة العراقية والإيرانية والسورية منذ تأسيس الجمهورية التركية في 1923 بالعنف المفرط والمستدام ضد الشعب الكردي، بهدف محو الهوية الكردية بالكامل، وهذا ما لم تخفه الحكومات التركية على اختلاف انتماءاتها الأيديولوجية، وبالرغم من كل هذا التعتيم، شكلت القضية الكردية إحدى أكثر الملفات تعقيداً في المشهد السياسي والأمني لتركيا.
بقيت سياسة الإنكار والحظر التركية على حالها دون تغيير حتى تسعينيات القرن الماضي، حيث شُنّت حملات عسكرية واسعة ضد حزب العمال الكردستاني حتى بعد اعتقال زعيمها عبد الله أوجلان من قبل الميت (المخابرات التركية) بمساعدة الموساد وC.I.A ودول الناتو، وبعد إظهار الدوائر الغربية اهتمامها بقضية الشعب الكردي بعد عام 2003 تبنت أنقرة مساراً مزدوجاً من العمل العسكري والسياسي.
إسرائيل وتركيا كانتا تسعيان لإسقاط نظام الأسد، وجاءت الفرصة الذهبية مع الربيع العربي والانتفاضة الشعبية في سوريا عام 2011. حيث قال رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري السابق حمد بن جاسم آل ثاني، صراحة في أيار مايو 2017، بأن الاستخبارات السعودية طلبت ميزانية ضخمة تبلغ 2000 مليار دولار لإسقاط حكومة بشار الأسد في سوريا، مؤكداً أن “غرف عمليات أنشئت عام 2011 وكان فيها مندوبون “سعودي قطري أردني تركي، والأمريكان كانوا موجودين هناك، وكان كل شيء يمرّ من خلال هذه اللجنة، سواء كانت هنا أو هناك حسب كلام حمد في إشارة الى غرفة عمليات -“الموك” في الأردن وغرفة عمليات “الموم” في تركيا، وهذه الغرف كانت مهمتها إسقاط النظام في سورية تحت ستار ما عرف بالثورة السورية.
في ذلك الوقت كانت تركيا وإسرائيل وأمريكا والغرب ومشيخات الخليج يعتبرون سوريا دولة عدوة وصديقة للجمهورية الإسلامية في إيران وسنداً لحزب الله اللبناني ومحور المقاومة. وكانت ضمن قائمة الدول الستة التي ينبغي الإطاحة بها من قبل صناع القرار السياسي الأمريكي كما هو معلن صراحةَ.
وبحكم التلاصق الجغرافي سيطرت تركيا على تدفق المال والسلاح والتدريب لجميع الفصائل الارهابية التي احتشدت في معسكرات تركيا ومن بوابتها تدخل الى سوريا للقيام بعمليات عسكرية ضد نظام الأسد، كانت السياسة التركية مع الإطاحة بالنظام السوري شريطة أن لا ينال الشعب الكردي أي مكسب وأن لا يتكرر سيناريو إقليم كردستان العراق أو الفيدرالية على شاكلة العراق ما بعد صدام حسين.
تعرض المجتمع الكردي لصدمة كبيرة أمام الخيارات المتاحة أمامه جراّء الانتفاضة السورية ضد نظام الأسد، فمن ناحية معظم الفصائل والمنظمات الإسلامية السورية المسلحة والمدعومة تركياً، لا تؤمن بحقوق الشعب الكردي وتراه قريباً من نظام الأسد، بينما القوى السورية اليسارية والعلمانية كانت أكثر تفهماً لما حصل من تجاوزات ومظالم لحقت بالشعب الكردي. لكن للأسف ولعدة أسباب فقدت المعارضة السورية استقلالية قرارها وسيطر “الميت التركي” على معظم الأحزاب والمنظمات السياسية والفصائل المسلحة السورية، كما شمل استحواذ الحكومة التركية على فصائل كردية سورية وتم تسليحها وتمويلها، وساهمت القيادة العائلية للحزب الديمقراطي الكردستاني في تحقيق المشروع التركي هذا.
إن تواجد العرب وبعض الكرد السوريين في السلة التركية، منح حكومة أنقرة مجالاً واسعاً للهيمنة على السياسة في الداخل السوري. وتيقنت أنقرة بامتلاك السيطرة على بعض الفصائل الكردية خارج الحدود التركية، وأعني في العراق وسوريا مما ساعد على تعزيز نفوذها في المنطقة ككل. أي عودة كردستان العثمانية من جديد الى حضن الإمبراطورية.
خلال الحرب الأهلية، شكّل الأكراد إدارة ذاتية مدنية نشطة في شمال شرق سوريا (روژ آفا)، مما أغضب أنقرة وكانت تتحين الفرص للقضاء عليها. وبكلمة أدق كانت الإدارة الكردية هدفاً مؤجلاً للمشروع التركي.
كان هناك انطباع سائد لدى بعض الجهات والشخصيات السياسية الكردية وفي مراحل معينة، عن وجود دعم جادّ من الدول الغربية – أمريكا، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا وإيطاليا ودول أخرى في منظمة حلف شمال الأطلسي، لدعم الشعب الكردي بشكل جدّي لبناء دولته المستقلة أو بناء نظام فدرالي، رغم المعارضة التركية لهذا المشروع.
وقد تعزز وجود هذا التوجه عندما استدعى عدة مرات الى البيت الأبيض أو الى عدد من العواصم الأوربية زعماء كرد للقاء مع رؤساء أمريكيين أو أوروبيين كبار مع قادة أحزاب كردية من “حدك” و”ينك” وفيما بعد مع القيادي مظلوم عبدي والسيدة الهام أحمد -قادة “روژآفا”- عندما تأكدت الحكومة الامريكية من الدور الهام الذي يقوم به “قسد” على المسرح السوري، ومن الممكن استغلاله في الظرف السياسي الموجود لتعزيز السياسة الأمريكية ومشروعها في منطقة الشرق الأوسط وأقامت قواعد عسكرية على الأراضي السورية شمالاً حيث آبار النفط والإنتاج الزراعي وجنوباً في قاعدة التنف الاستراتيجية في جنوب شرق سورية عند المثلث الحدودي السوري العراقي.
صُدِمَ الجانب الكردي من تغيير جذري في الموقف الامريكي، فهروب بشار الأسد ودخول أحمد الشرع الى دمشق شكل لحظة جيو استراتيجية فارقة في السياسة الغربية في الشرق الأوسط، عندما تم تناسي ماضي الشرع بسرعة فائقة والطلب أو الأمر الى الجنرال مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية بدمج قواته مع الحكومة المؤقته في دمشق التي شكلها أحمد الشرع ذات اللون الواحد، فهو كان “ارهابياً”، بينما مظلوم عبدي كان “شريكاً” في نظر أمريكا، لكن المعادلة بعد ذلك، انقلبت الى استقبال الإرهابي كضيف في البيت الأبيض، يرحب به الرئيس ترامب ويبدي دعمه له. وفي الوقت نفسه يقوم توم برّاك سفير أمريكا في العراق وسوريا بفرض إملاءات على مظلوم عبدي “الشريك”.
كل ما جرى على المسرح السوري من عام 2011 كان أكثره من صنع دول الناتو ومشيخات الخليج وإسرائيل، وحتى المنظمات والمجموعات الإرهابية على اختلاف اسمائها وانتماءاتها واختلاف البلدان التي أتت منها، بقي معظمها تحت خيمة دول الناتو، فعلى سبيل المثال، أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني سابقا) كانت تحركه تركيا ومن جانب آخر أعلنت عام 2017، وزارة الخارجية الأمريكية، مكافأة مالية تصل إلى 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقاله، وتحت ذريعة “محاربة الإرهاب في الشرق الأوسط”، وذلك من خلال برنامجها “مكافآت من أجل العدالة وكعضو هام في الحلف، لعبت تركيا دوراً كبيراً في التضييق وإضعاف نظام الأسد خلال توجيهها للمنظمات الإرهابية التكفيرية المنطلقة من أراضيها.
وكردّ فعل، تدخلت روسيا بقواتها المسلحة الى جانب إيران لدعم نظام الأسد ومحور المقاومة. وكان الهدف الإسرائيلي هو القضاء على النفوذ الايراني في سوريا ومنع تدفق السلاح الى حزب الله اللبناني وبعض الفصائل الفلسطينية وتحقيق مشروع ممرّ داوود وبسط نفوذ إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط. أما بالنسبة لتركيا، فلها أطماع توسعية وترى الفرصة مؤاتية لتحقيق أحلامها العثمانية الى جانب التحكم في التطورات المفاجئة في القضية الكردية وعدم تمكينها من نيل الحكم الذاتي أو بناء علاقات مع واشنطن أو مع الحكومات الأوروبية قد تفضي الى تشكيل حكومة كردية.
وتجد إسرائيل نفسها في نفس حالة التوسع التركية خاصة أن الأنظمة العربية الاستبدادية كلها تقريباً في حالة انبطاح أو شلل داخلي أو فوضى عارمة، تقف بوجه شعوبها بالتنكيل وخنق الحريات، وكل هذا يفتح شهية التوسع لبناء إسرائيل الكبرى. وما يجري الآن في سوريا من حرية التصرف الإسرائيلي والتركي إنما يعكس مستوى السقوط الذي وصلت اليه الدولة السورية وتفكك مؤسساتها.
الضغوط التي يمارسها السفير الأمريكي توم براك على قيادات “روژ آفا”، هي جزء من الاستراتيجية الامريكية في الشرق الأوسط، وهي ليست بحاجة الى ممارسة نفس سياسة الاكراه تجاه القيادة العائلية للحزب الديمقراطي الكردستاني لكونها منخرطة منذ زمن بعيد في المخطط التركي، وأكثر الظن أن المرونة التي تبديها الحكومة التركية تجاه حزب العمال الكردستاني مؤخراً هي لخلق مبرر نحو قبول أوجلان وقنديل، تسوية ما مع حكومة أردوغان. وبعبارة أدق لملمة جميع الأحزاب والمنظمات الكردية في العراق وسوريا وإيران وتركيا تحت المظلة التركية الأمريكية أي الـ”ناتو” وفي حالة الفساد المستشري والتشرذم الحالية وغياب مشروع وطني كردي جامع وقيادة مخلصة وكفؤة، ستستخدم دول الـ”ناتو” القوى الكردية كمرتزقة مع الإبقاء على حرية رفع العلم الكردي والرقص والأغاني الوطنية ولا يحاسب القادة اللصوص وأبنائهم على السرقات.
وهناك حقيقة أخرى لابد من التطرق اليها، وهي أن دول الناتو تدفع بالقوى الكردية في شمال وشرق وجنوب كردستان نحو تفاهمات مع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، أي إبعاد القوى الكردية عن تفاهمات مع إيران، أو البقاء على الحياد وهذا هو الدافع الأقوى في تلاعب دوول الناتو بالورقة الكردية.
أياَ كانت الخلافات التركية الإسرائيلية في الظاهر فهما خاضعان لسيدهما في واشنطن، وكلاهما يخدمان الاستراتيجيات الامريكية في منطقة الشرق الأوسط ولن يخرجا من العباءة الأمريكية، خصوصاً مع العلاقة الطيبة لدونالد ترامب مع أردوغان ونتنياهو.
لا تتحمل الشوفينية التركية تأسيس إدارة ذاتية كردية لا في العراق ولا في سوريا، لابل تسعى بشتى الوسائل للسيطرة عليها بعد تشكُلها، وقد كان هذا واضحاً في تجربة العراق وسوريا، فما أن انزاحت قبضة بغداد ودمشق على الجزئين الكرديين، حتى هرعت أنقرة لملء فراغ السلطة المركزية المنهارة هناك. فهي لم تجد صعوبة في إخضاع القيادة العائلية لـ”حدك” لمشروعها الاستعماري، اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وامنياً، وتريد من قيادة “رۆژاڤا” تبني نفس الموقف الذي تبنته القيادة العائلية لـ”حدك” العراق. وإن لم تقبل بذلك فستكون النتائج وخيمة للغاية.
فلدى تركيا الكثير من أوراق الضغط على الأحزاب الكردية المحتفظة بنوع من القرار المستقل أو بصورة أكثر دقة، تلك القيادات التي لا تخضع للإملاءات التركية بالكامل، فلدى تركيا عدد من نقاط القوة، أبرزها:
– فائض القوة، وبعد تصفية الجيش التركي من العناصر المشكوك في ولائها لقيادة حزب العدالة والتنمية، تم تطويعه للسلطة السياسية الحاكمة.
– أنقرة عضو پحلف الناتو، ومن غير الممكن لدول الحلف تجاهل الأمن والمصالح التركية بسبب القضية الكردية والتي تشكل قوى لا دولتية، في ظل رغبة الولايات المتحدة ومنذ الإطاحة بنظام الأسد بالتعامل مع حكومة مركزية قوية فى بغداد ودمشق.
– عبدالله أوجلان في قبضتها.
– خضوع قيادة “حدك” للأجندات التركية.
– (لەشکرێ رۆژ) الكردي في محافظة دهوك يأتمر بأوامر تركيا وبالتنسيق مع قيادة (حدك).
– مجموعات إرهابية مسلحة ومدربة في تركيا متواجدة في سوريا يمكن استخدامها ضد الشعب الكردي متى ما أرادت الحكومة التركية.
– الحكومة السورية التي يترأسها احمد الشرع تأتمر بأوامر الحكومة التركية.
– ولعل الورقة الأكثر تأثيراً قي تقوية النفوذ التركي على القضية الكردية هي حالة الانقسام الكردي الواضحة وفقدان عنصر الإخلاص والنزاهة في العلاقات السياسية المتبادلة ودعم بعض الأحزاب والفصائل المسلحة الكردية لمشاريع أنقرة الاستعمارية، سواء في العلن أو في السرّ.
– سيطرتها على المياه المتدفقة والتي تشكل عصب الحياة الزراعية في العراق.
ومن دون شك، كان أمراً إيجابياً لو تمكن الزعماء الكرد في العراق من استغلال هذه الفرص بإقامة إدارة كردية تعمل بإخلاص لخدمة شعبها بدل استغلال الفرصة التاريخية من قبل عوائل همها جمع المال والجاه والسلطة وخارج المساءلة. وعندما تثبت الأحداث أنهم وراء الزمن، وأنهم لم يقرؤوا العلاقات الإقليمية والدولية بشكل صحيح، تراهم يلقون اللوم على خيانة هذه الدولة أو تلك، ولايقرّون بأنهم أضاعوا الفرصة التاريخية لشعبهم، لكن وقت تصحيح المسار قد فات، وعدم كفاءة القيادة الحالية وانغماسها في تفاهات الأمور منذ توليها السلطة لأكثر من خمسة وثلاثين عاماً، يجعل منها عبأً ثقيلاً وعائقاً أمام أي تغيير في طبيعة السلطة الكردية. فمن فرض الوراثة على منصب رئيس الحزب الى فرض الوراثة في المناصب الحكومية، رغم الفشل والفضائح في معظم المجالات الاقتصادية والإدارية والعسكرية والأمنية.
الشرق الأوسط يدخل مرحلة تغييرات جيواستراتيجية عميقة تقرر مستقبل أمم وشعوب المنطقة كلها، وإن بقي مصير الشعب الكردي بأيدي قيادات تقليدية، تفرض الجمود على العملية السياسية وبعيدة عن التفاعل المدروس مع المتغيرات والأحداث التاريخية الكبيرة، سيقرر الآخرون مصير ومستقبل الأمة الكردية.
في كل الأحوال نحن حالياً أمام مرحلة شبيهة بمرحلة معركة جالديران وما بعدها، والتي وقعت في 23 آب أغسطس 1514م بين قوات الدولة العثمانية بقيادة السلطان سليم الأول (ياووز) وقوات الدولة الصفوية بقيادة الشاه إسماعيل الأول. وستثبت الأحداث اللاحقة فيما إذا كنا قد تعلمنا شيئاً من تاريخنا المفعم بالدروس والعبر أم أننا لا نجيد قراءة تاريخنا؟
وفيما يخص الشعوب العربية فهي في مواجهة خيارات صعبة، بين المضي قدماً مع الاتفاقيات الابراهيمية أو العودة الى حضن الإمبراطورية التركية، أو هل بقي لدى الشعوب الإرادة والطاقة اللازمة لنيل حريتها واستقلالها والتخلص من الدكتاتوريات البغيضة المفروضة عليها من الخارج؟
