أوروبا تثبت أقدامها في كردستان عقب «الانسحاب الأمريكي»

يتقدم الاتحاد الأوروبي نحو شراكة أوسع مع إقليم كردستان بالتزامن مع اقتراب انتهاء مهمة التحالف الدولي نهاية أيلول، عبر مهمة استشارية جديدة تمتد لعامين وتوسيع التعاون مع أربيل، إلا أن بروكسل ترسم حدوداً واضحة لدورها، مؤكدة أن مهمتها تتركز على الأمن المدني والشرطة بعيداً عن المهام العسكرية.

شراكة استراتيجية

ويقول القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني ريبوار بابكي، في حديث لـ”کورد مونیتور” اليوم الأحد (30 آب أغسطس 2026)، إن “الاتحاد الأوروبي يعد شريكاً أساسياً لإقليم كردستان، وكان جزءاً فاعلاً في التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، فضلاً عن دوره الكبير في تدريب قوات البيشمركة ضمن مهام التحالف الدولي”.

ويضيف، أن “الاتحاد الأوروبي، بوصفه كتلة سياسية تمثل الدول الأوروبية، سيبقى شريكاً وحليفاً استراتيجياً لإقليم كردستان”، مشيراً إلى أن “دولاً منضوية في الاتحاد لديها شركات تعمل في مجالات متعددة داخل الإقليم، من بينها الطاقة والنفط والغاز وقطاعات أخرى”.

القضية الكردية

ويوضح بابكي، أن “علاقات إقليم كردستان مع الاتحاد الأوروبي متميزة، ودول عدة، من بينها فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وهنغاريا، لديها تفهم كبير للقضية الكردية في الشرق الأوسط عموما والعراق خصوصاً”.

ويردف، أن “هذه الدول تدعم إقليم كردستان بوصفه كياناً دستورياً، وتحث على ضرورة حصوله على حقوقه الدستورية”، مؤكداً أن “الاتحاد الأوروبي سيبقى شريكاً أساسياً للإقليم حتى في حال سحب التحالف الدولي قواته من إقليم كردستان”.

المكتب الأوروبي

ويرى القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني، أن “المشاورات بين إقليم كردستان والاتحاد الأوروبي تركز عادة على قضايا عدة، من بينها استمرار التحالف الدولي ضمن مهامه، فضلاً عن مواصلة تدريب قوات البيشمركة”.

وبشأن مكتب الاتحاد الأوروبي في أربيل، يؤكد بابكي أن “المكتب الدبلوماسي الذي يمثل الاتحاد موجود في أربيل منذ سنوات، وليس وجوده أمراً جديداً”، مبيناً أن “افتتاح مكتب جديد أو تغيير المبنى أو نقله من مكان إلى آخر لا يعني افتتاح مكتب الاتحاد الأوروبي في أربيل للمرة الأولى، إذ يعود وجوده في الإقليم إلى عدة سنوات”.

مهمة جديدة

مع اقتراب نهاية أيلول 2026، وهو الموعد المرتقب لمغادرة قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة العراق، بدأ الحضور الأوروبي يبرز بصورة أكبر في إقليم كردستان، بالتزامن مع تحركات سياسية ودبلوماسية تركز على مستقبل التعاون مع الإقليم بعد انتهاء مهمة التحالف.

وأكد رئيس البعثة الاستشارية للاتحاد الأوروبي في العراق رالف شرودر، في وقت سابق من اليوم الأحد، عدم وجود ارتباط بين البعثة وقوات التحالف الدولي المرتقب مغادرتها العراق نهاية أيلول، كاشفاً عن الاستعداد لإطلاق مهمة جديدة في البلاد تستمر لمدة عامين، بدءاً من تشرين الثاني المقبل.

وأوضح شرودر، خلال مؤتمر صحفي في أربيل، أن مساعدات البعثة لا تشمل الجوانب اللوجستية، وإنما تقتصر على دعم مبادرات إعادة صياغة القوانين وتقديم المشورة الاستراتيجية بشأن برامج وسياسات تدريب الشرطة، مشيراً إلى أن الشرطة الهولندية تعمل حالياً على التنسيق المباشر مع شرطة أربيل.

وفي ما يتعلق بخطر تنظيم داعش والمشكلات الأمنية في المناطق المتنازع عليها، أكد شرودر أن ولاية البعثة تنحصر في نطاق الأمن المدني، موضحاً عدم وجود اتصال مباشر للبعثة بالجيش، فيما يقتصر عملها في إقليم كردستان على التنسيق مع الشرطة وقوات الأمن الداخلي.

مظلة اقتصادية

من جهته، يقول أستاذ العلاقات الدولية علي أغوان، في حديث لـ”کورد مونیتور” اليوم الأحد، إن “الاتحاد الأوروبي يمثل مظلة اقتصادية شبه سياسية، ولا يستطيع التحول إلى حالة من التكامل الأمني بين دوله”، مبيناً أن “حلف شمال الأطلسي هو الذي يؤدي دور التكاتف والتكامل الأمني على مستوى أوروبا”.من جهته، يقول أستاذ العلاقات الدولية علي أغوان، في حديث لـ”ڤ” اليوم الأحد، إن “الاتحاد الأوروبي يمثل مظلة اقتصادية شبه سياسية، ولا يستطيع التحول إلى حالة من التكامل الأمني بين دوله”، مبيناً أن “حلف شمال الأطلسي هو الذي يؤدي دور التكاتف والتكامل الأمني على مستوى أوروبا”.

ويضيف، أن “وجود الاتحاد الأوروبي في العراق لا يمكن أن يتحول، تحت أي عنوان، إلى مسار أمني متقدم يعوض مهمة التحالف الدولي أو حلف شمال الأطلسي”، مشيراً إلى أن “الاتحاد الأوروبي تشكل نتيجة الحاجة الاقتصادية والشراكات البينية بين الدول الأوروبية، ولم يستطع التحول إلى مظلة سياسية جامعة أو مظلة أمنية، فيما جرى تعويض الفراغ الأمني الكبير في أوروبا عبر حلف شمال الأطلسي”.

ويوضح، أن “وجود القوى الأوروبية داخل إقليم كردستان يمكن أن ينمو ولا يقتصر على الإقليم فقط، بل قد يمتد إلى الموصل ومحافظات أخرى، ولا سيما أن الأوروبيين يستشعرون وجود مرحلة جديدة لإعادة رسم خرائط الطاقة، سواء على مستوى الممرات أو استثمار الغاز والنفط ومجالات أخرى”.

ويعتبر أغوان، أن “بيئة العراق وسوريا تعد خصبة وتتحمل استثمارات كثيرة مرتبطة بمجالات الطاقة، وصولاً إلى التحولات نحو الطاقة النظيفة، وأوروبا تتجه إلى هذه المساحة في ظل التحول الكبير الذي تعيشه منطقة الشرق الأوسط”.

ويؤكد، أن هذا العامل يمثل السبب الأساسي للحضور الأوروبي، مستبعداً إمكانية الاستعاضة عن مهمة التحالف الدولي أو القوات الأميركية بالمظلة الأوروبية الاقتصادية.

وبحث رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، في وقت سابق من اليوم الأحد، مع سفير الاتحاد الأوروبي لدى العراق كليمنس سيمتنر، وبحضور رئيس مكتب الاتحاد الأوروبي الجديد في أربيل شتيفان فينت، تعزيز التعاون بين الاتحاد الأوروبي وإقليم كردستان.

وبحسب بيان اطلعت عليه “العالم الجديد”، أعرب بارزاني عن شكره وتقديره للدور الذي يضطلع به الاتحاد الأوروبي والدعم المتواصل الذي يقدمه للعراق وإقليم كردستان، كما بارك لشتيفان فينت توليه مهامه الجديدة.

علاقات ثنائية

إلى ذلك، يقول المحلل السياسي نزار حيدر، في حديث لـ”کورد مونیتور” اليوم الأحد، إن “الاهتمام الدولي، ومنه الأوروبي والأمريكي، بإقليم كردستان ليس جديداً، ولا سيما منذ التغيير في عام 2003 وتحول العراق إلى دولة فدرالية، إذ ازداد هذا الاهتمام على مختلف الأصعدة، من بينها الجانبان الأمني والعسكري”.

ويضيف، أن “اتفاقيات أبرمت بين حكومة الإقليم والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية بشأن المساعدات العسكرية والتدريب والمشورة والمعلوماتية وغيرها”، مبيناً أن “الاتحاد الأوروبي يحاول فصل علاقته مع العراق عن علاقة التحالف الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة، مع العراق”.

ويشير إلى أن “هناك التزامات من نوع آخر بين بغداد وأربيل من جهة، والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة من جهة أخرى، وبسبب حساسية هذه الالتزامات والتوقيتات، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى الفصل بين الملفين وإقامة علاقات ثنائية مباشرة مع بغداد وأربيل على مختلف المستويات، بما يشمل الجوانب الأمنية والعسكرية والاستخباراتية والتدريب”.

مصلحة العراق

ويبين حيدر، أن “إقليم كردستان يسعى منذ فترة إلى إقناع الإدارة الأمريكية والمشرعين في واشنطن بأهمية العلاقة بين التحالف الدولي والإقليم، ومع انتهاء هذه العلاقة في 30 أيلول المقبل، يمكن تحويلها إلى علاقة ثنائية من نوع آخر بين الاتحاد الأوروبي والإقليم، على غرار ما يجري حالياً بين بغداد والاتحاد الأوروبي”.

ويواصل، أن “الأميركيين بدأوا يتفهمون أهمية استمرار العلاقة مع الإقليم بعد 30 أيلول، من خلال تشجيع وحث حلفائهم الأوروبيين على بناء شراكة جديدة بين الاتحاد الأوروبي والإقليم، ولاحقاً بين الاتحاد الأوروبي وبغداد”.

ويعتقد حيدر، أن “هذه التحركات تصب في مصلحة العراق، لكون البلاد قد تتعرض إلى مخاطر أمنية وعسكرية، ولا سيما أن العلاقة القائمة حالياً في المنطقة لم تتحول حتى الآن إلى اتفاق سلام دائم ومستدام، ما يعني إمكانية تفجر الحرب وعودة عمليات القصف في أي لحظة”.

ويشدد على أن “العراق بحاجة إلى شراكات أمنية واستخباراتية وعسكرية مع أطراف دولية، وفي حال كان استمرارها مع الولايات المتحدة صعباً ومعقداً، فيمكن الاستعاضة عنها بالاتحاد الأوروبي أو بدولة غربية أخرى ترتبط بعلاقات جيدة مع واشنطن، بما يحول دون تعرض العلاقة بين بغداد وواشنطن إلى أزمات”.

أكد سفير الاتحاد الأوروبي، في أثناء لقائه بارزاني، التزام الاتحاد بمواصلة دعم العراق وإقليم كردستان، معرباً عن الرغبة في تعزيز العلاقات الثنائية والارتقاء بها وتوسيع أطر التعاون في مختلف المجالات، فيما تناول اللقاء الأوضاع الداخلية في العراق وإقليم كردستان، إلى جانب آخر المستجدات والتطورات على الساحة الإقليمية.

وبذلك، يأتي التحرك الأوروبي في أربيل قبل شهر واحد من الموعد المرتقب لانتهاء مهمة التحالف الدولي، لكن الاتحاد الأوروبي يفصل حتى الآن بين المسارين، فبين شراكة سياسية متنامية ومهمة استشارية جديدة لعامين، يؤكد الأوروبيون أن حدود دورهم الأمني تقف عند الأمن المدني والشرطة، وليس عند تعويض المهمة العسكرية للتحالف الدولي.

زر الذهاب إلى الأعلى