هل يحتاج إقليم كردستان إلى مجلس للأمن القومي؟

لم يعد بإمكان إقليم كردستان التعامل مع سياسة الأمن القومي كنهج ارتجالي وخاضع للأهواء الشخصية

يمتلك إقليم كردستان مقاتلين، وضباط استخبارات، وأجهزة أمنية؛ لكن ما ينقصه هو نظام أمني قومي موحد قادر على ربط هذه الأطراف ببعضها البعض.

إن هذا الضعف يكتسب أهمية بالغة، فمنطقة الشرق الأوسط تتسم بالتقلب، حيث تتنافس القوى الإقليمية والدولية (إيران، تركيا، إسرائيل، دول الخليج، وغيرها) وتتصارع فيما بينها، وغالباً بعنف. لا يمكن لكردستان تحمل تبعات هيكل أمني تمليه التنافسات الحزبية وتداخل الصلاحيات، ومؤسسات تحمل أسماءً وطنية لكنها تعمل وفق منطق حزبي ضيق.

كما أن التوقيت بالغ الأهمية؛ فقد عجز إقليم كردستان عن تشكيل حكومة منذ انتخابات تشرين الأول/أكتوبر 2024. ومع استئناف المحادثات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، ينبغي على صناع القرار في الولايات المتحدة حث القيادتين على عدم التعامل مع إصلاح الأمن القومي كأداة للمساومة، بل كركيزة أساسية لا غنى عنها لاتخاذ القرارات الاستراتيجية.

في عام 2011، أقر برلمان كردستان القانون رقم (4) لتأسيس مجلس أمن إقليم كردستان، والقانون رقم (5) المنظم لجهاز “الآسايش”. وعلى الرغم من أن القوانين سعت نظرياً إلى وضع مؤسسات (الزانياري، باراستن، الآسايش، واستخبارات البيشمركة) تحت مظلة واحدة خاضعة لرئاسة الإقليم، إلا أن الإقطاعيات السياسية حالت دون تفعيل هذه المظلة على أرض الواقع. كما كان الخلل هيكلياً أيضاً؛ إذ كان تصميم مجلس أمن الإقليم أقرب إلى “مظلة استخباراتية أمنية” منه إلى مجلس أمن قومي متكامل، فلم يتضمن الهيكلية الوزارية، والعسكرية، والدبلوماسية، والاقتصادية، والطاقوية اللازمة لصنع القرار الاستراتيجي. لقد كان قادراً على الإشراف على أجزاء من القطاع الأمني، لكنه عجز عن دمج آليات سلطة الدولة.

لقد تجلت العواقب خلال الأزمات؛ فالهجوم الذي شنه تنظيم “داعش” عام 2014 كشف عن ثغرات في الإنذار المبكر، ودمج المعلومات الاستخباراتية، وتنسيق القيادة، والجاهزية. كما كشف استفتاء الاستقلال عام 2017 عن ضعف آخر، حيث اتخذت كردستان قراراً دون وجود أي آلية لتقييم ردود الفعل الإقليمية، وتنسيق الوكالات، والاستعداد للضغوط من بغداد وطهران وأنقرة.

تفاقمت المشكلة بعد عام 2019، عندما أصبح مسرور بارزاني، الذي كان يشغل منصب مستشار مجلس أمن الإقليم، رئيساً للوزراء. ومنذ ذلك الحين، افتقد المجلس لمرجعيته القانونية في رئاسة الإقليم، ولم يحافظ على القيادة المستقلة التي تطلبها تصميمه الأصلي.

تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل الجهود الرامية لتوحيد إقليم كردستان العراق وسط استمرار الانقسامات الحزبية والعائلية. لقد سعت عملية إصلاح البيشمركة إلى ضم الوحدات المرتبطة بالأحزاب تحت لواء وزارة شؤون البيشمركة، لكن “الآسايش” وغيرها من الأجهزة الأمنية لا تزال تنظيمات حزبية وليست وطنية. وفي غياب مجلس أمن قومي فاعل، فإن أي عملية توحيد تخاطر بأن تكون مجرد إجراء إداري مؤقت أو مفروض من الخارج.

الحل لا يكمن في إحياء المجلس القديم باسم جديد، بل في تأسيس “مجلس أمن قومي” حقيقي، غير حزبي، يمتلك تفويضاً قانونياً لتنسيق ليس فقط المعلومات الاستخباراتية، بل أيضاً الجوانب العسكرية، والأمنية، والدبلوماسية، والأمن الاقتصادي، والطاقة، والدفاع السيبراني، وإدارة الأزمات.

لا ينبغي لهذا المجلس أن يحل محل الوزارات أو الوكالات، بل يجب أن يلزمها بالعمل ضمن استراتيجية وطنية واحدة. يجب أن يترأس رئيس الإقليم هذا المجلس، بعضوية قانونية لكل من نائب الرئيس، ورئيس الوزراء، ونائب رئيس الوزراء، والوزراء المعنيين (الداخلية، البيشمركة، الخارجية، المالية والاقتصاد، الطاقة، والوزارات الفنية ذات الصلة). هذا الهيكل سيعكس واقع الثنائية الحزبية في كردستان مع منع أي طرف من تحويل الأمن القومي إلى ملكية سياسية خاصة.

يجب أن يمتلك المجلس أيضاً مركزاً مهنياً يضم: مستشاراً للأمن القومي، ونائباً للمستشار، وسكرتارية تنفيذية، ومركزاً لعمليات الأمن القومي. ينبغي لهذا المركز أن يتولى دمج المعلومات الاستخباراتية، ومراقبة الأزمات، وتتبع مؤشرات الإنذار المبكر، وتنسيق الأجهزة في الوقت الفعلي. كما يجب أن تشمل المديريات التخصصية: تنسيق الاستخبارات، والتخطيط الاستراتيجي، وحماية الأمن السيبراني والبنية التحتية، ومكافحة الإرهاب، وإدارة الأزمات، والاتصالات الاستراتيجية، والشؤون القانونية، والعلاقات مع البرلمان، والتدريب المهني.

لم يعد بإمكان كردستان إدارة سياسة الأمن القومي بأسلوب ارتجالي وشخصي. إن تهديدات الميليشيات، ونزاعات الطاقة، والحوادث الحدودية، والهجمات السيبرانية، وهجمات الصواريخ والطائرات المسيرة، وحملات التضليل، والأزمات الدبلوماسية، تشكل عاصفة مثالية لا يستطيع النظام المجزأ الحالي في كردستان مواجهتها.

يجب أن يتضمن الإصلاح جانباً رقابياً. إذ ينبغي لقانون جديد لأمن إقليم كردستان أن يحدد سلطات المجلس، وأن يتطلب وضع استراتيجية للأمن القومي تخضع للمراجعة الدورية، وتأسيس مركز لعمليات الأمن القومي، وتوضيح مسؤوليات الوكالات، وتفعيل الرقابة البرلمانية. فالرقابة تحمي المؤسسات الأمنية من التحول إلى أدوات للصراع الفصائلي.

إن على حلفاء كردستان الاهتمام بهذه القضية؛ فبناء هيكل أمني قومي كردي متماسك من شأنه تعزيز أحد الشركاء القلائل الموثوقين للغرب في منطقة تتوسع فيها الميليشيات المدعومة إقليمياً، والشبكات الجهادية، والضغوط السلطوية.

زر الذهاب إلى الأعلى