حكومة الزيدي في ميزان الدستور: صمتٌ مُتعمد تجاه الاستحقاقات الكوردية أم خرقٌ للدستور؟

 

بقلم: آوات خيرالله (باحث قانوني)

من المنظور الفقهي الدستوري والمبادئ القانونية الناظمة لإدارة الدولة، لا تقتصر عملية منح الثقة للحكومة الجديدة في العراق على التصويت لشخوص الكابينة الوزارية فحسب، بل هي عملية مركبة (شخصية وموضوعية). إذ يُلزم البند (رابعاً) من المادة (76) من الدستور العراقي الدائم لعام 2005 رئيسَ مجلس الوزراء المكلَّف بعرض أسماء وزارته و”المنهاج الوزاري” على مجلس النواب لنيل الثقة بالأغلبية المطلقة. من الناحية القانونية، لا يُعدّ هذا المنهاج مجرد ورقة إعلان نوايا سياسية، بل هو “عقد دستوري ملزم” يُحدد مسار السلطة التنفيذية للسنوات الأربع القادمة، ويُشكّل أساساً للطعن أمام المحكمة الاتحادية العليا في حال الإخلال ببنوده. بيد أن القراءة الفاحصة للمنهاج المقدَّم من قِبَل حكومة السيد علي الزيدي، والمكوَّن من أربعة عشر فصلاً، تكشف عن تهميشٍ مقلق واستبعادٍ صريح للحقوق الدستورية لأحد المكونات التأسيسية للدولة العراقية؛ وهو الشعب الكوردي.

إن هذا التجاهل، الذي تُرجم إلى صمتٍ مطبق تجاه الملفات الجوهرية العالقة بين أربيل وبغداد، يُمثل انحرافاً واضحاً عن روح الدستور والنصوص التي قيَّدت حلَّ الأزمات بسياقات وآليات محددة. ويمكن إجمال أبرز المخالفات الدستورية في المنهاج الحكومي في النقاط الآتية:

 

ملف النفط والغاز (المادتان 111 و112): نصَّ الدستور صراحةً في المادة (111) على أن النفط والغاز ملكٌ لكل الشعب العراقي، وأناط في البند (أولاً) من المادة (112) مسؤوليةَ إدارته بالحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة بصورة مشتركة. إن خلو المنهاج من أي التزام أو سقف زمني لتشريع “قانون النفط والغاز” يعني الإبقاء على الفراغ التشريعي وتكريس حالة الصدام المستمر، وهو ما يتنافى مع مبدأ الشراكة الدستورية.

المناطق المتنازع عليها (المادة 140): تُعدّ هذه المادة، المستندة إلى المادة (58) من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، نصاً إلزامياً نافذاً لم يسقط بالتقادم، وهو ما أكدته قرارات المحكمة الاتحادية العليا بشأن استمرارية سريانها. إن خلو المنهاج الحكومي من خارطة طريق لتطبيق هذه المادة يضع السلطة التنفيذية في موضع المساءلة بتهمة الحنث باليمين الدستورية.

الاستحقاقات المالية ومبدأ المساواة (المادتان 106 و121): يُلزم البند (ثالثاً) من المادة (121) بتخصيص حصة عادلة من الإيرادات المحصَّلة اتحادياً للأقاليم، كما أسَّست المادة (106) لهيئة عامة لمراقبة تخصيص الواردات الاتحادية. إن تجاهل المنهاج لأزمة الموازنة ورواتب موظفي إقليم كوردستان لا يُمثل إخلالاً بالعدالة التوزيعية فحسب، بل هو خرق للمادة (14) من الدستور التي تكفل مساواة العراقيين جميعاً أمام القانون دون تمييز.

القضايا الوطنية (البيئة، الجمارك، والديون الداخلية): بموجب المادة (33)، لكل فرد حق العيش في ظروف بيئية سليمة، ووفقاً للمادة (114) يُعدّ تنظيم الشؤون الجمركية من الصلاحيات المشتركة. إن غياب هذه الملفات، إلى جانب انعدام الخطط الاقتصادية لمعالجة الديون الداخلية التي تُقدَّر بعشرات المليارات، يعكس افتقاراً لرؤية الدولة الشاملة وتجاهلاً لاستحقاقات المحافظات المستحدثة كحلبجة.

على الصعيدين السياسي والقانوني، لا ينبغي توجيه اللوم إلى رئيس الوزراء المكلَّف حصراً؛ بل إن حالة التشظي داخل البيت الكردي وغياب الخطاب القانوني الموحَّد هما العاملان الحاسمان في تمرير هذا التهميش. ومن المفارقات العجيبة أن تُسارع القوى السياسية الكردستانية إلى إرسال برقيات الدعم والتهنئة للسيد الزيدي قبل استحصال أي ضمانات دستورية موثَّقة.

اليوم، تقع على عاتق الكتل الكوردستانية في مجلس النواب مسؤولية قانونية وتاريخية جسيمة. إن التصويت لصالح منهاجٍ لا يُقرّ بالحقوق الدستورية يعني إضفاء الشرعية البرلمانية على تلك الانتهاكات. لذا، يجب أن يُشترط تمريرُ المنهاج ومنحُ الثقة بإعادة صياغته قانونياً، ليتضمَّن التزاماتٍ صريحة وجداول زمنية محددة لتفعيل المادة 140، وتشريع قانون النفط والغاز، وتأمين الحقوق المالية الدستورية لشعب كوردستان، التزاماً بقسمهم في حفظ الدستور وحماية حقوق المواطنين.

آوات خيرالله
+ مقالات
زر الذهاب إلى الأعلى