كيف تعلم الكورد “لعبة اللوبي” في واشنطن؟

تُعد الولايات المتحدة شريكاً حتمياً لإقليم كوردستان العراق، لكن هذه العلاقة ليست طريقاً ذو اتجاه واحد؛ إذ يتعين على أربيل إقناع واشنطن بأن الإقليم يمكنه لعب دور أمني وسياسي محوري في منطقة تعج بالاضطرابات، فضلاً عن كونه بيئة مستقرة ومجزية للاستثمار. ولإيصال هذه الرسالة وسط ضجيج الأصوات الداخلية والخارجية التي تتسابق لكسب دعم البيت الأبيض والكونغرس، لجأت القوى الكوردية إلى اللعبة الأكثر رواجاً في واشنطن: استئجار جماعات الضغط (اللوبيات).

تعتمد هذه الشخصيات ذات العلاقات المتنفذة، أو الشركات القانونية والاستراتيجية، على خبراتها في أروقة الحكم للتأثير على القرارات أو تمرير التشريعات. وقد أدرك القادة الكورد هذا الأمر مبكراً، وخصصوا له موارد مالية ضخمة.

يقول مصدر كوردي -طلب عدم الكشف عن هويته-: “أدرك الكورد تماماً أهمية الحفاظ على (الورقة الأمريكية)، ومع مرور السنين تطورت هذه الشراكة لتثبت أنها تصب في مصلحة الطرفين”.

وتشير الوثائق الرسمية إلى أن ممثلية حكومة إقليم كوردستان في واشنطن تلقت منذ عام 2008 نحو 40 مليون دولار من أربيل، خُصص جزء كبير منها لشركات اللوبي والمحاماة، حيث تتقاضى معظم تلك الشركات رواتب شهرية تصل إلى 20 ألف دولار.

كوردستان.. “قصة مدينتين”
خلال العقدين الأولين من هذا القرن، عمل الحزبان الرئيسيان (الديمقراطي والاتحاد الوطني) معاً لإظهار جبهة موحدة في واشنطن، لكن المشهد تغير الآن. فالتعاون بينهما يشهد انهياراً شبه كامل، مما أدى إلى تشتت الأجندات واختلاف طريقة تقديم أنفسهم في العاصمة الأمريكية.

في 17 نيسان، وخلال استضافته في برنامج “Piers Morgan Uncensored”، علّق بافل طالباني، رئيس الاتحاد الوطني الكوردستاني، على اتهامات دونالد ترامب بشأن “سرقة الأسلحة” من قبل الكورد، قائلاً: “كوردستان هي قصة مدينتين، لدينا حكومة ليست حكومة في الواقع.. لا أستطيع التحدث باسم الطرف الآخر”.

وفي المقابل، رفض المتحدث باسم حكومة الإقليم بشوا هوراماني هذه التصريحات. لاحقاً، وفي مؤتمر صحفي لترامب، ادعى الصحفي المقرب من الديمقراطي الكوردستاني، رحيم رشيدي، وبدون مصدر رسمي، أن تلك الأسلحة موجودة في “السليمانية” لإقحام الاتحاد الوطني في القضية، لكن ترامب اكتفى بالقول: “لست سعيداً بما حدث مع الكورد”.

هذا الانقسام امتد إلى أروقة اللوبي أيضاً؛ ففي العام الماضي، ولأول مرة منذ 34 عاماً، استأجر الاتحاد الوطني “لوبيست” خاصاً به في واشنطن، في إشارة واضحة لعدم الثقة بالممثلية المشتركة للحكومة.

تاريخ اللوبي الكوردي في واشنطن
سجل الحزب الديمقراطي الكوردستاني (PDK) أول تمثيل له في أمريكا عام 1987، بينما بدأ الاتحاد الوطني (YNK) نشاطه في 1992 عندما وقع برهم صالح عقداً بقيمة 10 آلاف دولار شهرياً.

وفي عام 2004، تعاقد الديمقراطي الكوردستاني مع شركة اللوبي العملاقة “BGR Group”، ليتحول العقد لاحقاً في 2006 إلى اسم ممثلية حكومة الإقليم. وتولى قوباد طالباني رئاسة الممثلية بهدف بناء علاقات دبلوماسية وتجارية.

وتشير التقديرات إلى أن أربيل دفعت لشركة “BGR” وحدها أكثر من 10 ملايين دولار منذ عام 2004، حيث لعبت الشركة دوراً كبيراً في تأمين الدعم المالي والعسكري للبێشمەرگة إبان الحرب ضد داعش. كما تبرز شركة “Greenberg Traurig” القانونية كشريك رئيسي، حيث تلقت مبالغ ضخمة وتعمل كـ “منسق قانوني” (Fixer) لرئيس الوزراء مسرور بارزاني.

الإخفاقات والدروس المستفادة
رغم هذه النفقات الهائلة، فشلت جماعات الضغط في محطات مصيرية، مثل استفتاء 2017 حين تخلت إدارة ترامب عن الإقليم. كما أن عدم الحصول على منظومات دفاع جوي حتى الآن يشير إلى أن أربيل تسيء أحياناً فهم رسائل واشنطن، وتضخم حجم أهميتها الإقليمية بشكل مفرط.

وكما يخلص التقرير، فإن أي مبلغ مالي يُدفع للوبيات لن يحل المعضلة الجوهرية؛ ففهم المكانة الحقيقية للإقليم يجب أن يبدأ من الداخل الكوردستاني وليس من واشنطن. وهو درس قاسٍ يتعين على أربيل استيعابه جيداً في ظل الصراع الراهن بين إيران والولايات المتحدة.

زر الذهاب إلى الأعلى