
رغم إعلان تركيا وحزب العمال الكردستاني مبادرة السلام وبدء مسار نزع السلاح، تتواصل التحركات العسكرية التركية داخل مناطق حدودية في إقليم كردستان، حيث يشير برلماني عن الديمقراطي الكردستاني إلى خرق سيادي وعجز حكومي قد يدفع نحو خيارات التدويل والضغط الاقتصادي، فيما يرى خبير أمني أن المبررات التركية مستمرة نتيجة تلكؤ مسار نزع سلاح حزب العمال، محذراً من توغل ميداني خطير يتجاوز عمق ثمانين كيلومتراً.
خرق سيادي
ويقول النائب چاي تيمور عن الحزب الديمقراطي الكردستاني، في حديث لـ”کورد مونیتور” اليوم الثلاثاء (23 حزيران يونيو 2026)، إن “ما يجري في المناطق الحدودية من تواجد لطرفي النزاع، الجيش التركي ومسلحي حزب العمال الكردستاني، داخل الحدود العراقية يمثل خرقاً واضحاً وصريحاً للسيادة الوطنية العراقية، ويتمثل بإقامة حزب العمال مقرات له، مقابل إنشاء الجيش التركي قواعد عسكرية على الأراضي العراقية في إقليم كردستان منذ عقود، فضلاً عن نقل صراعاتهما إلى خارج حدودهما”.
ويضيف، أن “الجيش التركي شن خلال الثلاثين سنة الأخيرة نحو ثلاثين حملة عسكرية كبيرة، شارك في بعضها ما يقارب ربع مليون جندي، إلى جانب استخدام أساطيل من الأسلحة الثقيلة، متذرعا بوجود عناصر حزب العمال الكردستاني في المناطق الحدودية”، مبيناً أن “وجود اتفاقية عسكرية تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي بين تركيا وحكومة البعث، تخول دخول الجيش التركي لمسافة 15 كيلومتراً داخل الأراضي العراقية”.
خيار التدويل
ويشير تيمور إلى أن “هذا الصراع تسبب بأضرار جسيمة تمثلت بعدم تمكن أهالي مئات القرى من زراعة أراضيهم وتربية مواشيهم والاستفادة من مصايفهم، الأمر الذي اضطرهم إلى مغادرة مناطقهم طوعاً حفاظاً على أرواحهم، وفي أحيان أخرى نتيجة إجبارهم من قبل الطرفين المتنازعين”.
ويتابع، أن “الحكومة العراقية لم تقم طوال هذه الفترة بواجباتها في حفظ الأمن على الحدود، رغم أن ذلك يعد من صلاحياتها الحصرية”.
ويبين، أنه “بعد إبرام الطرفين اتفاقية صلح وإعلان حزب العمال الكردستاني نزع أسلحته، فإن الوقت قد حان لتحرك الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان من أجل مطالبة الطرفين بمغادرة الأراضي العراقية بأسرع وقت”.
ويلفت إلى أنه “في حال عدم الاستجابة، فإن هناك خيارات بديلة يمكن اللجوء إليها، من بينها التوجه إلى الأمم المتحدة والمحاكم الدولية، وممارسة الضغط الاقتصادي على تركيا، فضلاً عن التلويح باللجوء إلى الحلول العسكرية إذا اقتضت الحاجة”.
وأثار نصب القوات التركية حواجز تفتيش ونقاط سيطرة جديدة في قضاء العمادية ومناطق أخرى بمحافظة دهوك، في (19 حزيران يونيو) موجة تساؤلات بشأن مستقبل الوجود العسكري التركي داخل الأراضي العراقية، وذلك رغم مبادرة السلام التي أعلنها حزب العمال الكردستاني، والتي كان يفترض أن تقلص المبررات التي استندت إليها أنقرة خلال السنوات الماضية لتوسيع عملياتها العسكرية داخل العراق.
وتزامنت هذه التطورات مع تصاعد الدعوات المطالبة باتخاذ موقف عراقي أكثر وضوحاً تجاه ملف السيادة والوجود العسكري الأجنبي، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى ما إذا كانت التفاهمات الجديدة المتعلقة بحزب العمال الكردستاني ستنعكس فعلياً على حجم الانتشار العسكري التركي داخل إقليم كردستان.
أذرع داخلية
من جهته، يقول الخبير الأمني صفاء الأعسم، في حديث لـ“کورد مونیتور” اليوم الثلاثاء، إن “منطقة العمادية ومناطق أخرى في إقليم كردستان ما تزال مستهدفة بشكل كبير من قبل القوات التركية، مشيراً إلى أن “وجود حزب العمال الكردستاني داخل العراق يعود إلى عام 1979، فيما تمكن الحزب من تشكيل قوة عسكرية مسلحة خلال المدة بين عامي 1981 و1982”.
ويوضح، أن “حزب العمال الكردستاني موجود داخل العراق منذ نحو 46 عاماً، وأن استمرار نشاطه طوال هذه المدة يعني بالضرورة وجود أذرع وداعمين له داخل العراق، لأن أي تنظيم مسلح يحتاج إلى إمدادات عسكرية وسلاح وغذاء وتمويل ورواتب ومستلزمات تشغيلية أخرى”.
تلكؤ الاتفاق
ويضيف الأعسم، أن “اتفاقاً جرى قبل أكثر من عام بين زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان والجانب التركي، بوساطة قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، وتضمن البدء بعملية تسليم السلاح، حيث شهد شهر تموز تسليم الدفعة الأولى من الأسلحة، وكان من المفترض أن تتبعها دفعات أخرى”.
ويتابع، أن” الجانب التركي أوقف لاحقاً استلام الأسلحة أو استكمال إجراءات نزع السلاح من قبل حزب العمال الكردستاني”، لافتاً إلى أن “أنقرة ما تزال تستند إلى استمرار وجود الحزب داخل إقليم كردستان والشمال العراقي لتبرير وجود قواتها داخل الأراضي العراقية”.
ويرى، أن “هذا الملف يمثل إحدى الذرائع التي تسمح لتركيا بمواصلة عمليات التوغل داخل العراق، خيث أن التوغل التركي خلال العام الماضي وصل، بحسب ما يقال، إلى مسافات تتراوح بين 70 و80 كيلومتراً انطلاقاً من محافظة الموصل، مع وجود حديث عن سيطرة القوات التركية على مساحات واسعة من المحافظة”.
معلومات وبيانات
ويؤكد الأعسم، أن “القوات التركية تمتلك معلومات تفصيلية عن مناطق الإقليم والسيطرات الثابتة والمتحركة، وتلك القوات تمتلك قواعد بيانات ومعلومات تتعلق بأسماء الموجودين في الإقليم، سواء من عناصر حزب العمال الكردستاني أو غيرهم، وهذا ذلك خلل أمني كان يفترض أن يقابل برد وإجراءات مناسبة”.
ويلفت إلى “وجود اتفاقيات واجتماعات مشتركة بين العراق وتركيا على مستويات عليا، فضلاً عن وجود غرف عمليات مشتركة بين الجانبين”، إلا أنه شدد على أهمية تطبيق القرارات والتفاهمات المتعلقة بملف حزب العمال الكردستاني ونزع سلاحه.
ولا يستبعد الخبير الأمني، أن “عبد الله أوجلان قد يتحرك خلال المرحلة المقبلة لتسريع إجراءات نزع السلاح، لأن استمرار هذا الملف يشكل خطراً أمنياً على العراق ويؤدي إلى زيادة التواجد العسكري التركي داخل أراضيه، وهو ما لا يخدم المصلحة العراقية”.
ويرجح، أن “تشهد الأشهر القليلة المقبلة تغيرات مهمة في هذا الملف، لوجود تفاهمات واتفاقات بين الحكومتين العراقية والتركية تتضمن إنهاء الوجود العسكري التركي على الأراضي العراقية في حال استكمال نزع سلاح حزب العمال الكردستاني”.
ويختتم الأعسم، بالقول إن “تحقق هذين الشرطين بصورة سريعة سيؤدي إلى زوال المبررات التي تستند إليها أنقرة للإبقاء على قواتها داخل العراق”، مؤكداً أنه “في هذه الحالة لن يكون هناك مبرر لاستمرار الوجود العسكري التركي على الأراضي العراقية”.
تفتيش الحرس العراقي
وفي تطور ميداني لافت، كشف كاميران عثمان، عضو منظمة CPT الأمريكية، خلال تصريح له في وقت سابق عن قيام القوات التركية بتفتيش مركبات وعناصر حرس الحدود العراقي وتدقيق هوياتهم عند إحدى النقاط العسكرية التركية الواقعة قرب قضاء العمادية.
وبحسب عثمان، فإن القوات التركية المتمركزة في نقطة عسكرية بقرية سيدا التابعة لناحية شيلادزي بدأت منذ شهر نيسان أبريل الماضي بإيقاف أرتال حرس الحدود العراقي أثناء توجهها إلى مقراتها العسكرية، وإخضاع مركباتها وعناصرها للتفتيش وتسجيل بياناتهم الشخصية قبل السماح لهم بالمرور.
وأوضح، أن النقطة العسكرية التركية تقع قرب مصيف افا مارك في وادي ريكان، على عمق يقارب 19 كيلومترا داخل أراضي إقليم كردستان، مبينا أن القوات التركية تفرض سيطرة عسكرية على المنطقة منذ عام 2021.
وتسلط هذه الوقائع الضوء على حجم الحضور العسكري التركي داخل بعض المناطق الحدودية العراقية، وسط استمرار الجدل بشأن مستقبل هذا الوجود، ولا سيما بعد المتغيرات الأخيرة المرتبطة بمبادرة السلام التي أطلقها حزب العمال الكردستاني، وما إذا كانت ستقود إلى إعادة النظر بالانتشار العسكري التركي داخل الأراضي العراقية أو الإبقاء عليه ضمن التفاهمات الأمنية القائمة.





