
رغم مرور سنوات على إثارة ملف التجاوزات على أراضي المسيحيين في محافظة دهوك ومناطق أخرى من إقليم كردستان، لا تزال القضية حاضرة في واجهة النقاش، مع استمرار احتجاج أصحاب الأراضي ضد عمليات استيلاء وتجاوز يقولون إنها تُنفذ من قبل متنفذين، وسط مطالبات متكررة بتطبيق القانون وإنصاف المتضررين.
الحراك الاحتجاجي المسيحي غير المسبوق تجاه السلطات الكردية المحلية، حظي بدعم مباشر من ثلاثة أحزاب مسيحية رئيسية هي الحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا)، وحزب اتحاد بيت نهرين الوطني، والحزب الوطني الآشوري، وهو ما منحه بعداً سياسياً، خاصة أن تلك الأحزاب ليست على وفاق مع الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يدير محافظة دهوك.
التجاوز على الأراضي مستمر
ويقول رئيس حزب اتحاد بيت نهرين جوزيف صليوا، إن التجاوز على أراضي المسيحيين بمحافظة دهوك مستمر منذ عقود، وقدمنا ملفات عن عائداية هذه الأراضي إلى حكومة الإقليم.
ويضيف، خلال حديث لـ”العالم الجديد” اليوم الخميس (9 تموز يوليو 2026)، أنه “في كل مرة كنا نوعد بحل هذه المسألة، لكنها كانت مجرد وعود ولم يتم تنفيذها، بعدها ذهبنا إلى المحاكم، لإنصافنا، وإعادة الأراضي إلى أهلها”.
ونظم المئات من المواطنين المسيحيين في دهوك، الاثنين (6 تموز يوليو 2026) وقفة احتجاجيّة سلميّة أمام مبنى المحافظة، حيث ندّدوا بالتجاوز على أراضيهم وأملاكهم، وطالبوا بإنصافهم وتمكينهم من استعادة حقوقهم وفق القانون.
وأكدت الجهات المنظمة للاحتجاج استمرار التجاوزات في عدد من المناطق، مشيرة إلى أن تأخر تنفيذ القرارات القضائية شجع المتجاوزين على استثمار الأراضي.
القضاء ينصف والقانون لا ينفذ
ويوضح صليوا، وهو نائب سابق، أن “التظاهرات الأخيرة خرجت فقط على جزء معين من الأراضي يقع في قضاء العمادية بمحافظة دهوك، بينما توجد مئات الأراضي الأخرى بمناطق أربيل ودهوك أيضاً، تم الاستيلاء عليها من قبل متنفذين كرد”.
وينوه إلى أن “القضاء أنصف أبناء المكون المسيحي، وأكد عائداية الأراضي لهم، لكن القانون لم ينفذ وتم ضربه بعرض الحائط، من قبل أبناء عشيرة الزيبارية، وحتى يومنا هذا ما زلنا نطالب بعودة الأراضي لكنها لم تعد”.
ويتهم صليوا “أحد المتنفذين من عشيرة الزيبارية، مقرب من رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، وهو المستولي الأكبر على أراضي المسيحيين، ويبدو أنه بسبب علاقته مع بارزاني، فكلمته أعلى من القضاء في الإقليم”، معتبراً أن “الخروج بتظاهرة، هو من أجل إيصال رسالة إلى الرأي العام والمجتمع الدولي، ونطالب بتطبيق القانون، ودعوات التعايش المشترك التي تتباناها حكومة الإقليم، ولكن لا تطبقها حتى الآن”.

مشاكل فردية لا قومية
وتعهد محافظ دهوك علي تتر، بمعالجة المشاكل العقارية للمسيحيين وفق الأطر القانونية، باعتبارها مشاكل شخصية وتتعلق بنزاعات فردية قديمة تعود إلى زمن النظام السابق، مؤكداً التزام حكومة الإقليم “بحماية حقوق المكونات كافة”، محاولاً إبعاد تصور كون الأزمة ذات بعد قومي مكوناتي.
منصة (ANB) الآشورية، التي نشطت في الدعوة للاحتجاج والتظاهرات الأخيرة ذكرت أن محافظ دهوك نفسه، تعهد، في أيار من عام 2022 في قرية بادرش في ناحية سرسنك التي شهدت توتراً بسبب محاولة استيلاء على أراض زراعية تعود لفلاحين آشوريين، حيث قال في حينها: “لا أحد فوق القانون. سنحل جميع مشاكل التجاوزات. الحق سيعود إلى أصحابه بعد استكمال الإجراءات”. لكن شيئاً لم يتحقق وبقي الملف معلقاً.
ونقلت منصات إعلامية آشورية على لسان مسؤولين مسيحيين تأكيدهم على إمكانية العودة للاحتجاج، إذا لم يتم إنهاء حالة تعطيل القرارات القضائية وتسريع خطوات حسم الملف، مشيرة الى أن “الإرادة الشعبية” المؤكدة على حق التظاهر ستستمر حتى الانتقال من الوعود الشفهية إلى التطبيق الفعلي لسيادة القانون على الجميع دون استثناء.
تجاوزات عمرها سنوات
من جانبه، يؤكد رجل الدين المسيحي خيري قيران، أن الاستيلاء على أراضي المسيحيين لم يكن وليد اللحظة، وهو مستمر منذ سنوات، وحكومة الإقليم لم تقوم بأي خطوات لاسترداد هذه الأراضي.
ويبين قيران، خلال حديث لـ”العالم الجديد” اليوم الخميس، أن “متنفذين مقربين من الحزب الديمقراطي الكردستاني، ومن عشائر كردية في محافظات دهوك وأربيل، وخاصة في مناطق زاخو والعمادية والنهلة، استولوا على أراض زراعية تابعة لأبناء المكون المسيحي، وحولوا عائدايتها، ولم تتم محاسبتهم من قبل القضاء أو الأجهزة الأمنية في الإقليم”.
أين التعايش السلمي؟
ويضيف رجل الدين المسيحي، أن “حكومة الإقليم والحزب الديمقراطي يدعون حماية المكون المسيحي، والتعايش السلمي بين المكونات، لكن هذا مجرد حديث إعلامي، ولا يوجد صحة له، بسبب استمرار التضييق على أبناء المكون المسيحي، والاستيلاء على أراضيهم، ودفعهم لترك الإقليم والهجرة خارج العراق”.
ويعتقد، أن “الإجراءات القانونية تميل لصالح المتنفذين الكرد، كونهم مقربين من الحزب الديمقراطي وعائلة بارزاني، ونعول فقط على تدخل المجتمع الدولي والأمم المتحدة لحماية المسيحيين من الانتهاكات المستمرة ضدنا منذ سنوات”.
تهدد الوجود المسيحي
ويحذر قيران من أن “استمرار هذه الانتهاكات يهدد الوجود التأريخي للمسيحيين في بعض مناطقهم الأصلية، ويشجع المزيد من العائلات على الهجرة، بسبب ميول الحكومة والقضاء لصالح المتنفذين على حساب أصحاب الحق”.
وأكدت حكومة إقليم كردستان في مناسبات مختلفة التزامها بحماية حقوق جميع المكونات دون تمييز، مشيرة إلى أن قضايا الأراضي تُعالج عبر القضاء والجهات المختصة، وأن أي تجاوز يثبت قانونياً يخضع للإجراءات القضائية، مع نفي وجود سياسة رسمية تستهدف الاستيلاء على أراضي المسيحيين.
سياسة عنصرية وتغيير ديموغرافي
بدوره، يقول السياسي الكردي فائق يزيدي، إن التظاهرات التي قام بها المكون المسيحي في دهوك والمطالبة بأراضيهم المسلوبة من قبل شخصيات متنفذة وافراد عشائر كردية منتمية للحزب الديمقراطي، يكشف الستار عن واحدة من الأفعال الفاضحة وهي سياسة التغيير الديموغرافي للمناطق المسيحيين، في منطقة نهلا وغيرها.
ويذكر يزيدي، خلال حديث لـ”العالم الجديد” اليوم الخميس، أن “الحزب الديمقراطي بمحاولات منعه المسيحيين من المطالبة بحقوقهم يثبت مرة أخرى أنه يقمع الأقليات ويهضم حقوق المواطنين، ويمارس سياسات مشابهة إلى حد كبير لسياسات البعث المنحل، وجميع الشعارات التي يطلقها عن التآخي والعيش المشترك هي مجرد أكاذيب تروج للإعلام، والمسيحيون مستهدفون بشكل منظم من قبل هذا الحزب”.
ويؤكد، أن “هناك سياسة عنصرية يمارسها الحزب ضد المسيحيين تماماً، كما السياسة التي يمارسها ضد الأيزيديين، وحتي ضد شريحة واسعة من الكرد ممن لا يسيرون وفق أهواء ورغبات الحزب”.
البارتي ينفي ويدافع
إلى ذلك، يعتبر عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني شيرزاد حسين، أن الاتهامات الموجهة لحزبه بالاستيلاء على أراضي المسيحيين غير حقيقية، وتدخل في باب الاستهداف السياسي.
ويبين، خلال حديثه لـ”العالم الجديد”، أن “قضية الأراضي، هي قضية قانونية، والقانون هو من يحكم في هذه المسألة، وفي كل المناطق دائماً صراعات ونزاعات الملكية تتأخر، بسبب نقص الأدلة والمستندات، ولكن لا يوجد أي استهداف لأبناء المكون المسيحي، الذين يعيشون في الإقليم بأمن وسلام”.
وأكدت رئيسة الهيئة العليا لحقوق الإنسان في الإقليم منى ياقوت، أن الهيئة تتابع، عبر لجنة خاصة، مسألة التجاوزات على أراضي المسيحيّين.
وبينت، خلال تصريح صحفي سابق، أن آلية عمل اللجنة تتضمّن تسلم الشكاوى والوثائق الرسميّة، وتنظيم زيارات ميدانيّة عند الضرورة، واستجلاء الأمور مع أصحاب المشكلة، بهدف الوقوف على الحقائق قبل إرسال كتب رسمية إلى الجهات المعنيّة لمعالجة هذه المشكلات.
وأشارت إلى أنّ اللجنة تعمل بالتنسيق مع وزير الداخليّة في حكومة الإقليم ريبر أحمد الذي يرأس لجنة منبثقة عن مجلس الوزراء تخصّ التجاوزات، لإطلاعه بشكلٍ مباشر على أيّ مستجدات ومطالبته بضرورة الإسراع في إيجاد الحلول والمعالجات. فضلاً عن زيارة رؤساء الوحدات الإداريّة والسعي إلى إيضاح الحقائق وتقريب المسافات بين أطراف المشكلة.





