
دخلت العلاقة بين طهران وإقليم كردستان مرحلة أكثر حساسية، بعد اتصال جمع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني ورئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني، حمل تحذيرات من استمرار نشاط الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة داخل الإقليم، مع التلويح برد عسكري واسع إذا لم تُتخذ إجراءات لوقف هذا النشاط.
تهديد عراقجي
وبحسب مصادر مطلعة أخبرت “العالم الجديد” أن عراقجي هدد في اتصال هاتفي جمعه مع طالباني وبارزاني، مفاده أن أي تهديد سينطلق من إيران باتجاه أراضي بلاده، سيعني تدمير الإقليم ودخول قوات برية إيرانية إلى مدن كردستان، بزعم الدفاع عن الأمن القومي الإيراني.
وتلفت المصادر إلى أن “عراقجي حدد مهلة للقيادات الكردية لإنهاء نشاط الأحزاب الكردية الكردية الإيرانية داخل الإقليم، كما أن طهران أبلغت بغداد، بإنزعاجها من نشاط تلك الجماعات، وطالبت برد حازم”.
ويأتي هذا التصعيد في وقت أصدر فيه بافل طالباني بياناً اعتبر من أكثر مواقفه تشدداً منذ بدء الهجمات الإيرانية على الإقليم، إذ شدد على رفض استهداف أراضي كردستان، مؤكداً أن الإقليم لا ينبغي أن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، مع التشديد على حماية سيادة العراق وأمن المواطنين، وأكد بأن الصمت لا يعني الخوف أو قلة الحيلة.
ناقوس خطر
ويقول الباحث في الشأن السياسي شيرزاد مصطفى لـ”العالم الجديد” اليوم الخميس (23 تموز يوليو 2026)، إن التهديد الإيراني على إقليم كردستان مسألة جادة جداً، وما قاله عراقجي مؤخراً يؤكد بأن التهديد فعلي، ورسالة واضحة، ومن الممكن تنفيذه بكل سهولة.
ويعتبر، أن “هذا التهديد يعد ناقوس خطر شديد على مواطني الإقليم، وطهران قادرة على تنفيذ التهديد، وعلى الأحزاب الحاكمة في كردستان أن تعود لرشدها، وأن تعي حجم الخطر، وتكف عن دعم الجماعات المعارضة الإيرانية”.
عملية مشتركة بين تركيا وإيران
ويضيف مصطفى، أنه “يجب قراءة المشهد للواقع، وإنهاء التعامل مع ملف وجود أحزاب كردية من خارج العراق على أراضي الإقليم، كون هذا الملف يعد مخالفاً لقوانين الدولة العراقية، التي ترفض اتخاذ أراضيها منطلقاً للتجاوز على سيادة الدول الأخرى”.
ويرى، أن “تصرفات الإقليم الأخيرة، ومنها دعم أحزاب من خارج العراق، للمساس بدول أخرى، سيضر بكردستان، وقد تنفذ إيران وتركيا عملية مشتركة ضد الأحزاب المعارضة، كون مصالحهم تلتقي، وبالتالي فإن كيان الإقليم معرض للخطر”.
وتعرضت مدن إقليم كردستان خلال الأيام الماضية إلى سلسلة هجمات طالت مقرات مختلفة للأحزاب الكردية الإيرانية، ومنها حزب حرية كردستان، وحزب كومله، وحزب كادحي كردستان، والحزب الديمقراطي الإيراني، أدت لمقتل أكثر من 12 عنصراً، وإصابة 15 آخرين بجروح متفاوتة.
ومنذ بداية الحرب الأمريكية الإيرانية في الـ28 من شهر شباط الماضي تعرضت مقرات الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة في مناطق سوردش وزركويز ودوكان ودربنديخان إلى قصف بأكثر من 250 صاروخاً وطائرة مسيرة.
تدريبات على جبل زاكروس
وخلال الأيام الأخيرة انتشرت تقارير ومعلومات عن ظهور عناصر من حزب بيجاك الكردي الإيراني في مناطق جبلية ضمن سلسلة جبال زاكروس، مع حديث عن تدريبات وتحركات قرب الحدود، وهي معلومات لم تؤكدها سلطات الإقليم رسمياً، لكنها عززت الرواية الإيرانية بأن هذه الجماعات لا تزال تحتفظ بقدرات عسكرية، وتحاول التسلل إلى الداخل الإيراني.
استهداف الأضعف
من جهته، يعبر عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني شيرزاد حسين، عن مخاوفه من التهديدات الإيرانية، مشيراً إلى أن إيران دائماً ما تبحث عن نصر إعلامي، من خلال اختيار الحلقة الأضعف لقصفها.
ويذكر، خلال حديثه لـ”العالم الجديد” اليوم الخميس، أنه “مراراً أكدنا بأن نشاط الأحزاب الكردية المعارضة، هو نشاط سياسي وإعلامي فقط، ولا يوجد أي نشاط عسكري مسلح لتلك الأحزاب، وأن الأجهزة الأمنية في الإقليم، لن تسمح باتخاذ الإقليم منصة للحرب على إيران”.
تهديدات إيران
ويضيف حسين، أن “الإقليم أكد أيضاً أنه ليس طرفاً في الصراع والحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، كما أنه لا مكان للأسلحة الأمريكية التي تحدث عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب داخل أربيل، ولهذا فإنه لا مبرر لاستمرار القصف الإيراني على مدن الإقليم”.
ويشدد على أن “حماية أراضي الإقليم هي جزء من مسؤولية الحكومة الاتحادية، وهذا الملف سيكون حاضراً في زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي، خلال زيارته المقبلة إلى طهران، ونأمل أن تتوقف تهديدات إيران”.
وكرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حديثه في أكثر من مناسبة عن دعم مجموعات كردية معارضة لإيران ضمن استراتيجية الضغط على طهران، كما نُشرت تقارير عن تواصل أمريكي مع قادة تلك الجماعات.
وأبدى ترامب انزعاجه من عدم إيصال تلك الأحزاب للأسلحة الأمريكية التي أرسلتها واشنطن لدعم المعارضين داخل إيران.
بافل يغازل واشنطن
إلى ذلك، يرى الباحث في الشأن السياسي آرام كمال، أن القيادة الإيراني تخشى من تحول إقليم كردستان إلى منصة ضغط أمريكية على إيران.
ويبين، خلال حديثه لـ”العالم الجديد” اليوم الخميس، أن “بيان بافل طالباني شديد اللهجة ضد إيران جاء بمثابة غزل للجانب الأمريكي، خاصة وأنه تزامن مع وجوده داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وهو يريد تقريب علاقة الاتحاد الوطني مع واشنطن”.
أيام صعبة
ويتابع كمال، أن “الاتحاد الوطني الكردستاني متهم بالتعاون والتقارب الكبير مع إيران، ولهذا جاء البيان القوي لطالباني، ليرد على تلك الاتهامات، ومحاولة إثبات بأن الاتحاد لديه مواقفه الخاصة، لكن من الناحية المنطقية، ليس باستطاعة طالباني أو الإقليم الرد على إيران بأي شكل من الأشكال”.
ويردف، أن “إقليم كردستان تنتظره أيام صعبة، فمن جهة يتعرض لضغوط أمريكية لغرض دعم الأحزاب الكردية الإيرانية، ومساعدة واشنطن في حربها مع طهران، ومن جهة أخرى، فهو يتعرض لقصف إيراني، ومن الممكن أن يشمل هذا القصف خلال الفترة المقبلة منشآت حيوية ومواقع اقتصادية، ولا يختصر على مقرات الأحزاب الكردية المعارضة فقط”.
بيان غير مسبوق
وندد رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني، بافل طالباني، السبت (18 تموز يوليو)، بالهجمات التي نفذتها إيران ليلة (الجمعة) على مواقع في أربيل والسليمانية، معتبراً الهجمات “انتهاكاً خطيراً للأمة”.
وقال طالباني في بيان، اطلعت عليه “العالم الجديد”، إن “هذا العمل “العدواني المتعمد يُعد انتهاكاً صارخاً للأعراف الدولية، وتصعيداً غير مبرر. وإننا ندين هذا الهجوم بأشد العبارات. وليكن واضحاً للجميع: إن استهداف أمتنا أمر غير مقبول على الإطلاق، وإن سلامة شعبنا خط أحمر لا يمكن تجاوزه”.
ودعا إلى الوقف الفوري لهذه “الأعمال العدائية، ونطالب بتوضيح فوري بشأن هذه الانتهاكات. وسيظل تركيزنا منصباً بالكامل على الدفاع، وخفض التصعيد، والحماية المطلقة لجميع مواطنينا”.
وتعرضت السليمانية وأربي، الأسبوع الماضي، إلى قصف إيراني بالصواريخ والطائرات المسيرة التي استهدفت مواقع عدة في المحافظتين وأسفرت عن إصابات بشرية وخسائر مادية.





